أعمدة ومقالات

سيادة السودان ليست ورقة في تحالفات الحرب: القصف، وصمت السلطات 72 ساعة ، وتناقض الخطاب المصري بشأن حلايب.

بقلم السفير الصادق المقلي .

( 1 ———- 6 )

من هوية الضحايا إلى صمت السلطات 72 ساعة!
أسئلة لا يجوز دفنها مع الموتى!

أولاً: دماء سودانية، وأسر تنتظر الحقيقة!

لم تكن مأساة المعدّنين السودانيين الذين سقطوا في هذا الحادث مجرد خبر عابر يُضاف إلى سجل المآسي التي يعيشها السودان في ظل الحرب، بل كانت فاجعة إنسانية تستوجب وقفة جادة أمام قيمة الإنسان السوداني، وحقه في الحياة، وحق أسرته في معرفة الحقيقة والإنصاف.
هؤلاء المعدّنون لم يكونوا أرقاماً في نشرة أخبار، ولا أسماءً تُتلى ثم تُنسى؛ كانوا بشراً لهم أسر وأحلام ومسؤوليات، خرجوا بحثاً عن الرزق في وطن ضاقت فيه سبل العيش، فإذا بأسرهم تواجه الفقد وأسئلةً مؤلمة لا تجد إجابات شافية.
ومن حق كل أسرة فقدت عزيزاً أن تعرف كيف قُتل، وأين قُتل، وما الظروف التي أحاطت بمقتله، ومن يتحمل المسؤولية إذا أثبت التحقيق وقوع مخالفة أو جريمة.
ومن حق الرأي العام السوداني كذلك أن يعرف حقيقة ما حدث، بعيداً عن الروايات المتضاربة والتصريحات السياسية التي قد تزيد الغموض بدلاً من أن تبدده.
إن حرمة الدم السوداني لا ينبغي أن تخضع لحسابات السياسة، ولا أن تتراجع أمام المصالح والعلاقات.
من حيث المبدأ، فإن رفض الاتهامات غير المثبتة موقف يمكن الدفاع عنه، سواء تعلق الأمر بمصر أو بأي دولة أخرى. لكن هذا المبدأ ينبغي أن يُطبَّق على الجميع، وألا يتحول إلى تبرئة مسبقة لأي طرف، أو إلى إغلاق باب التحقيق قبل ظهور نتائجه.
نحن لا نطالب بإدانة مصر مسبقاً، كما لا نقبل تبرئة أي طرف مسبقاً. نحن نطالب بالحقيقة، أياً كانت نتائجها، وبمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون
إن مشاعر أسر الضحايا وكرامة أبنائها ليست تفصيلاً ثانوياً في هذا الجدل. ومن واجب كل مسؤول أو شخصية عامة أن يتعامل مع هذه المأساة بقدر من المسؤولية الإنسانية، وأن يتجنب إطلاق أحكام قد تجرح ذوي القتلى أو تنتقص من مكانة الضحايا من دون سند واضح.
إن أسر الضحايا لا ينبغي أن تجد نفسها وسط سجال تتبدل فيه المواقف تبعاً للاعتبارات السياسية، بينما تظل الأسئلة الأساسية بلا إجابة.

اليتيم ذو الستة عشر عاماً… حين تتحدث المأساة بلغة لا تحتاج إلى خبير

من أكثر ما يوجع في مثل هذه المآسي أن وراء كل ضحية حكاية إنسانية قد لا تظهر في البيانات الرسمية، وأسرةً ربما فقدت برحيله سندها الوحيد أو آخر ما كانت تتمسك به من أمل.
وحين تتحدث الروايات المتداولة عن فتى يتيم لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، فإن المأساة تتجاوز حدود الأرقام والتوصيفات السياسية. نحن أمام حياة في بدايتها، كان ينبغي أن تتاح لصاحبها فرص التعلم والنمو وبناء المستقبل، لا أن يصبح اسمه جزءاً من خبر عن موت وفقد.
إن قصة هذا الشاب تفرض سؤالاً إنسانياً لا يجوز تجاهله: كيف يمكن أن تمر مأساة كهذه من دون تحقيق جاد في ظروفها، ومن دون أن تجد أسرته إجابات واضحة؟
لا ينبغي أن تتحول معاناة اليتيم إلى مجرد وسيلة للتأثير العاطفي، كما لا يجوز إهمالها لأنها لا تخدم رواية سياسية بعينها. المطلوب هو التحقق من تفاصيل قصته، وتوثيق ما حدث له، وضمان ألا تضيع حقوقه وحقوق أسرته وسط تضارب الأقوال.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بعمره أو مكانته الاجتماعية أو قدرته على التأثير في المشهد العام. وكل روح أُزهقت تستحق أن يُبحث في ظروف مقتلها، وأن تُصان كرامة أهلها، وأن تُحفظ حقوقهم كاملة.

هل تُقايَض دماء السودانيين بالعلاقات الاستراتيجية؟

وسط هذه الأسئلة الإنسانية والقانونية، يبرز سؤال بالغ الحساسية: هل يمكن أن تتأثر طريقة التعامل مع الحادث بحسابات العلاقات السياسية أو المصالح الاستراتيجية؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني الجزم بوجود مقايضة أو تسوية على حساب الضحايا؛ فذلك أمر لا يصح تقريره من دون أدلة. لكنه سؤال مشروع في ظل الحاجة إلى ضمان أن تكون الحقيقة هي الأساس الذي تُبنى عليه المواقف الرسمية، لا المصالح أو الاعتبارات الدبلوماسية.
فالعلاقات بين الدول، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة لأي طرف من المساءلة، ولا أن تكون سبباً لحجب المعلومات عن المواطنين. وإذا كانت هناك مصالح استراتيجية مشتركة، فإن صون حياة الإنسان وكرامته يجب أن يكون جزءاً من أي علاقة سليمة، لا عبئاً يُضحّى به عند تعارضه مع الحسابات السياسية.
إن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تسمح بأن يصبح دم أحد أبنائها موضوعاً للمساومة، ولا تتعامل مع أرواحهم باعتبارها تفاصيل يمكن تجاوزها لتفادي الحرج أو الحفاظ على علاقة مع أي جهة.
ولذلك، فإن المطلوب ليس إطلاق اتهامات بلا دليل، بل إزالة أسباب الشك عبر تحقيق مستقل، وإعلان نتائجه بشفافية، وتقديم ما يثبت الوقائع، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
فالشفافية هي الطريق إلى إغلاق أبواب الشائعات، وإثبات أن حقوق الضحايا لا تخضع لحسابات ..

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة