أعمدة ومقالات

سيادة السودان ليست ورقة في تحالفات الحرب: القصف، وصمت السلطات، وتناقض الخطاب المصري بشأن حلايب

بقلم السفير الصادق المقلي .

( 2 )

في خضم الحرب التي يعيشها السودان، وما hi معه في هذه الحرب، سببًا للصمت عن انتهاكات تمس سيادته أو تعرض أرواح مواطنيه للخطر؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى وقائع القصف الجوي الذي استهدف عمال التعدين في شمال السودان، وما أعقبه من مواقف رسمية، ثم إلى التناقض بين التصريحات المصرية المتكررة بشأن احترام سيادة السودان وسلامة أراضيه، واستمرار السيطرة المصرية على مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد، الذي يتمسك السودان بمطالبته بالسيادة عليه.
إن تناول هذه القضايا لا يستهدف تجاهل طبيعة الحرب السودانية أو تعقيداتها، ولا إنكار أهمية العلاقات بين الدول، وإنما ينطلق من مبدأ واضح: إن سيادة السودان وسلامة أراضيه وأمن مواطنيه ليست مسائل قابلة للمساومة، ولا يجوز أن تكون ثمنًا لأي دعم سياسي أو عسكري يتلقاه.

أولا : القصف الجوي المصري الأول وموقف السلطات السودانية
فيما يتعلق بالقصف الجوي المصري الأول، فإنني أتناوله باعتباره واقعة ثابتة لا يخالجني فيها شك، وقد سبق أن تناولته في تقرير كتبته وقت وقوعه. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش لا ينبغي أن يعود في كل مرة إلى نقطة البداية، بل يجب أن يتجه إلى ما ترتب على الحادثة من مواقف رسمية، وما إذا كان قد جرى اتخاذ إجراءات جادة لكشف ملابساتها وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين.
فالمسألة لا تتعلق فقط بقصف استهدف عمال تعدين سودانيين، بل كذلك بكيفية تعامل الدولة السودانية مع الحادثة، وبالرسالة التي وصلت إلى المواطنين من خلال التصريحات الرسمية التي أعقبتها.
لقد أثار تصريح الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي نصح المعدّنين بعدم عبور الحدود نحو «جارة الشمال»، تساؤلات جدية بشأن طبيعة الموقف الرسمي. ففي سياق حادثة القصف، يمكن فهم هذا الخطاب باعتباره نقلًا للتركيز من الاعتداء الذي تعرض له المواطنون إلى سلوك الضحايا أنفسهم، وكأن المشكلة الأساسية هي عبورهم الحدود، لا ما تعرضوا له من قصف وما يستوجبه ذلك من مساءلة.
ومن هنا، فإنني أرى أن هذا التصريح، في سياقه، يرقى سياسيًا إلى إعفاء الجيش المصري من المساءلة، أو على الأقل إلى تخفيف الضغط عنه، لأنه يركز على تحذير الضحايا بدلًا من المطالبة الصريحة بكشف المسؤولية عن استهدافهم.
وقد أُعلن آنذاك عن تحقيق في الحادثة. لكن السؤال الذي لا يزال قائمًا هو: أين انتهى ذلك التحقيق؟ وما النتائج التي أُعلنت للرأي العام؟ وهل جرت محاسبة أي جهة مسؤولة؟ وما الذي قُدّم إلى الضحايا وأسرهم من إنصاف؟
إن الإعلان عن التحقيق لا يكفي وحده، كما أن مرور الوقت لا يسقط حق المواطنين في معرفة الحقيقة. وإذا كانت الدولة قد وعدت بالتحقيق، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما أسفر عنه، لا أن تبقى الوعود معلقة بينما تتكرر الوقائع والأسئلة ذاتها.
وقد تناولت تقارير صحفية، منها تقارير «سودان تريبيون» و«راديو دبنقا»، الحادثة السابقة وتصريحات البرهان ووعد التحقيق. كما تناول تحقيق نشرته «مدى مصر» روايات مختلفة بشأن موقع الضربات، ونقل رواية مصرية تقول إن الاستهداف تعلق بمجموعات دخلت الأراضي المصرية. وتؤكد هذه الاختلافات أهمية توضيح الوقائع والمسؤوليات رسميًا، بدلًا من ترك الضحايا والرأي العام أمام روايات متباينة بلا نتائج معلنة للتحقيق.
لكن بالنسبة إليّ، فإن النقطة السياسية الأساسية تظل قائمة: كيف يمكن للدولة أن تحمي مواطنيها إذا كان خطابها، في أعقاب تعرضهم للقصف، يركز على تحذيرهم من عبور الحدود أكثر مما يركز على مساءلة الجهة التي استهدفتهم؟

ثانيًا: حادثة القصف الثانية في شمال السودان وضرورة كسر الصمت.
أما حادثة القصف الثانية التي تناولتها التقارير المنشورة في أكتوبر 2026، فلا يجوز التعامل معها بوصفها خبرًا عابرًا ينتهي بانتهاء دورة الأخبار. فقد أوردت تقارير «سودان تريبيون» وقوع ضربات استهدفت مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود المصرية السودانية، في منطقة العُقيدات قرب سوق الأنصاري بولاية نهر النيل، ونقلت روايات عن سقوط قتلى وجرحى وفرار عمال من المواقع المستهدفة.
كما نقلت تقارير لاحقة عن ناجين مزاعم بشأن ارتفاع حصيلة الضحايا إلى أعداد كبيرة جدًا، مع اتهامات للقوات المصرية. غير أن الحصيلة النهائية والمسؤولية المباشرة عن الضربات لم تُحسما بصورة مستقلة في تلك التقارير، وهو ما يجعل التحقيق العاجل والشفاف ضرورة لا تحتمل التأجيل.
إننا هنا أمام واجب واضح يقع على عاتق الدولة السودانية: إصدار موقف رسمي يوضح ما حدث، والتحقق من مواقع الضربات، وتحديد الجهة المسؤولة عنها، والكشف عن عدد الضحايا الحقيقي، وتوفير المعلومات اللازمة لأسرهم، واتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية العاملين والمواطنين في المناطق الحدودية.
ولا يجوز أن يكون غياب المعلومات الرسمية ذريعة لإغلاق الملف، بل ينبغي أن يكون سببًا إضافيًا للتحقيق والإعلان عن النتائج.
فإذا صحت التقارير المتعلقة بسقوط عشرات الضحايا أو أكثر، فإن الأمر يتجاوز مجرد حادثة أمنية على الحدود؛ إنه يتعلق بأرواح مواطنين سودانيين، وبحق أسرهم في معرفة مصير ذويهم، وبحق المجتمع في معرفة ما إذا كانت أراضي البلاد ومواطنيها قد تعرضوا لاعتداء خارجي، وكيف استجابت الدولة لذلك.
ومن هنا، فإن السؤال الموجه إلى السلطات السودانية ليس سؤالًا إعلاميًا عابرًا: لماذا هذا الصمت؟ وأين البيان الرسمي الذي يوضح حقيقة ما جرى؟ وهل بدأ تحقيق جاد؟ ومتى ستُعلن نتائجه؟ وما الإجراءات التي اتخذت لحماية المواطنين ومنع تكرار الحادثة؟
إن الصمت الرسمي، إذا استمر من دون تفسير أو معلومات، لا يترك الضحايا وحدهم فحسب، بل يترك المجال مفتوحًا أمام الشائعات والروايات المتضاربة، ويضعف ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حماية أرواحهم .
سيادة السودان ليست ورقة في تحالفات الحرب: القصف، وصمت السلطات، وتناقض الخطاب المصري بشأن حلايب
ايا وأسرهم من إنصاف؟
إن الإعلان عن التحقيق لا يكفي وحده، كما أن مرور الوقت لا يسقط حق المواطنين في معرفة الحقيقة. وإذا كانت الدولة قد وعدت بالتحقيق، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما أسفر عنه، لا أن تبقى الوعود معلقة بينما تتكرر الوقائع والأسئلة ذاتها.
وقد تناولت تقارير صحفية، منها تقارير «سودان تريبيون» و«راديو دبنقا»، الحادثة السابقة وتصريحات البرهان ووعد التحقيق. كما تناول تحقيق نشرته «مدى مصر» روايات مختلفة بشأن موقع الضربات، ونقل رواية مصرية تقول إن الاستهداف تعلق بمجموعات دخلت الأراضي المصرية. وتؤكد هذه الاختلافات أهمية توضيح الوقائع والمسؤوليات رسميًا، بدلًا من ترك الضحايا والرأي العام أمام روايات متباينة بلا نتائج معلنة للتحقيق.
لكن بالنسبة إليّ، فإن النقطة السياسية الأساسية تظل قائمة: كيف يمكن للدولة أن تحمي مواطنيها إذا كان خطابها، في أعقاب تعرضهم للقصف، يركز على تحذيرهم من عبور الحدود أكثر مما يركز على مساءلة الجهة التي استهدفتهم؟

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة