أعمدة ومقالات

هل باع البرهان أرض السودان؟ نهج التبعية ونهب الموارد


د. الأمين بلال مختار
*october/16/2026
*alamin.bilal.mokhtar@gmail.com

السؤال الذي يتردد اليوم في كل بيت سوداني، وفي قلب كل مواطن حر، لم يعد همساً: هل باع عبد الفتاح البرهان أراضي السودان لمصر؟

قد لا نجد وثيقة بيع موقعة بختم جمهوري، ولكن البيع لا يكون دائماً بعقد مكتوب. البيع يكون بالتفريط، بالصمت، بالتهاون، بفتح الحدود والمعابر والموارد لجهة واحدة على حساب سيادة الوطن وكرامة المواطن. وما يمارسه البرهان اليوم مع مصر ليس علاقة دولة بدولة، بل هو امتداد أصيل لنهج الحركة الإسلامية “الكيزان”، نفس المدرسة التي علمتنا أن بقاء التنظيم أهم من بقاء الوطن، وأن السلطة تبرر بيع كل شيء.

نهج الكيزان كان واضحاً: استبدال السيادة بالحماية. يمنحون الخارج ما يريد من ذهب وأرض وموانئ ومواقف سياسية، مقابل أن يمنحهم الخارج الدعم العسكري والسياسي والغطاء الدولي للبقاء في السلطة، سلطة لا تعبر عن الشعب ولا تمثله. وهذا بالضبط ما يفعله البرهان اليوم.

أولاً: التعدي على المدنيين المعدِّنين ونهب الموارد

في صحاري الشمالية ونهر النيل ودارفور، يُسحق المواطن السوداني البسيط، المعدِّن التقليدي الذي يبحث عن لقمة عيشه في باطن أرضه، تحت جنازير الشركات وميليشيات المحاصصة. تُحرق آبارهم، وتُصادر أجهزتهم، ويُعتقلون ويُضربون، ليس لأنهم مجرمون، بل لأنهم يقفون في وجه مافيا الذهب المنظمة.

ذهب السودان الذي يفترض أن يكون ضمانة لأجياله ومستقبل أطفاله، يخرج عبر مطارات غير مرصودة، ومعابر حدودية مفتوحة، في شاحنات تعبر ليلاً إلى مصر، ثم يعاد تصديره للعالم على أنه ذهب مصري. أرقام البنك المركزي المصري من صادرات الذهب ترتفع، بينما خزينة بنك السودان فارغة، والمواطن يموت جوعاً. فمن المستفيد؟ ليس الشعب السوداني بالتأكيد.

هذه ليست تجارة، هذا نهب ممنهج بغطاء رسمي. موارد السودان من ذهب وسمسم وصمغ عربي وثروة حيوانية، تُهرَّب عبر الحدود الشمالية بأسعار بخسة، بينما يُفرض على المواطن السوداني داخل مصر دفع رسوم الإقامة والإتاوات، ويُعامل كلاجئ لا كشقيق.

ثانياً: العلاقة مع مصر يجب ألا تكون علاقة تبعية

نحن لسنا دعاة تطرف، لكننا منحازون لقضايا شعبنا. على مصر وشعبها الكف عن التعدي، فحسن الجوار أساسه عدم التدخل في الشؤون الداخلية. نحن ضد أن تكون علاقة السودان بمصر علاقة التابع بالمتبوع، وعلاقة الضعيف بالقوي.

العلاقة السليمة بين الدول لا تُبنى على التهاون في الحقوق. أين ملف حلايب وشلاتين وأبو رماد؟ لماذا تم تجميده تماماً في عهد البرهان؟ أين ملف مياه النيل وحصة السودان التي يتم التفاوض عليها في غياب السودان الحقيقي؟ أين ملف الحريات الأربع الذي لم يُطبق يوماً لصالح السوداني في القاهرة كما يُطبق لصالح المصري في الخرطوم؟

الندية هي أساس العلاقات. مصر تبحث عن مصالحها الخاصة بشتي السبل؛ لكن أين مصالحنا نحن؟ هل من مصلحة السودان أن يكون بوابة خلفية لتوفير الذهب والدعم اللوجستي مقابل وعود سياسية بدعم سلطة لا شرعية لها؟

إن ما يقوم به البرهان هو تكرار حرفي لسياسة المخلوع البشير: حين اشتد عليه الحصار، سلّم ملف سد النهضة، وصمت عن حلايب، وفتح الاقتصاد للشركات المصرية بلا قيد، كل ذلك ليضمن بقاءه. واليوم يفعل البرهان نفس الشيء: يقدم أراضي زراعية في الشمالية والشرق كاستثمارات طويلة الأجل بلا شفافية، ويقدم الذهب، ويقدم الموقف السياسي، ليضمن فقط بقاءه على كرسي السلطة وتلقي السلاح والذخيرة والغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي.

إن الوطن ليس مزرعة للتنظيم، والأرض ليست شيكاً على بياض يصرفه البرهان ليشتري بقاءه.

إن معركة السودانيين اليوم ليست فقط ضد الحرب، بل هي معركة ضد عقلية باعت الوطن قطعة قطعة. ولن يستقيم حال السودان إلا بعلاقة خارجية جديدة، أساسها:

. الندية الكاملة: لا تبعية ولا محاور.
. السيادة على الموارد: ذهب السودان للسودانيين، وأرض السودان للسودانيين.
. حماية المواطن أولاً: كرامة المعدِّن التقليدي والمواطن البسيط فوق أي صفقة عسكرية.
. عدم التفريط في الحقوق التاريخية: حلايب سودانية، وحقوقنا المائية خط أحمر.

السودان لن يكون حديقة خلفية لأحد، ولن يحكمه من يبيع ترابه ليبقى على كرسيه. ولا يصح إلا الصحيح.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة