إن المتابع لمسار الأزمة السودانية منذ انقلاب 25 أكتوبر وحتى هذه الحرب الكارثية، يدرك حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: إن عبد الفتاح البرهان يكذب بقدر ما يتنفس.
الرجل لم يصدق مرة واحدة مع الشعب السوداني. في كل مرة يتعرض فيها لضغط داخلي من الشارع، أو ضغط خارجي من المجتمع الدولي والوسطاء، يخرج علينا بخطاب جديد عن السلام والهدنة والحوار، وما هي إلا أيام حتى ينكشف كذبه بنفسه.
البرهان ليس قائداً.. هو أداة
الحقيقة التي يجب أن يعرفها كل سوداني هي أن البرهان ليس صاحب قرار. هو صنيعة الحركة الإسلامية – الكيزان – بامتياز. هم من صنعوه، وهم من حموه، وهم من أعادوه إلى الواجهة بعد ثورة ديسمبر المجيدة التي أسقطتهم.
الكيزان هم من يخططون له في الغرف المظلمة، وهم من يكتبون له خطاباته، وهم من يؤشرون له: اذهب يميناً فيذهب يميناً، واذهب شمالاً فيذهب شمالاً. هو مجرد واجهة عسكرية لمشروعهم القديم للعودة إلى السلطة على جثة الوطن.
هم يعلمون علم اليقين أن أي سلام حقيقي يعني نهاية الحرب التي يتغذون عليها، فالحرب هي بيئتهم، وهي التي تسمح لهم بالنهب والتهريب وتجارة السلاح والعودة لمفاصل الدولة. ويعني عدالة حقيقية، فالسلام سيأتي ومعه ملف العدالة والمحاسبة، المحاسبة على جرائم ثلاثين عاماً، والمحاسبة على جرائم الحرب الحالية، ومجزرة القيادة العامة، وهذا ما يرعبهم. ويعني تأسيس دولة جديدة، فالسلام الذي يريده الشعب هو تأسيس جديد للدولة السودانية، تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، وبناء مؤسسات مهنية وقومية حقيقية – جيش قومي واحد، قضاء مستقل، وخدمة مدنية نزيهة – وهذا يعني نهاية إمبراطورية الكيزان الاقتصادية والسياسية إلى الأبد.
ولذلك، هم لا يتورعون عن إطالة أمد الحرب ولو أُبيد الشعب كله، ولو تشرد 20 مليون سوداني، ولو دُمرت الخرطوم والجنينة وكل السودان. المهم عندهم ألا يأتي سلام يحاسبهم ويجتثهم.
الخطر الحقيقي
إن الخطر الحقيقي على الوطن اليوم ليس من الخارج، بل يتمثل في هذه العقلية التي تفضل أن تحكم خراباً ودماراً على أن تتركه عامراً لغيرها. إنها عقلية “إما أن نحكمكم أو نقتلكم”.
إن أي حديث عن سلام في ظل وجود هذه المجموعة وهي ممسكة بالسلاح والقرار هو وهم. لا سلام مع من يعتبر السلام تهديداً وجودياً له.
إن الحل يبدأ بكسر هذه الحلقة الخبيثة، وإبعاد الكيزان والبرهان عن أي مستقبل للسودان، والذهاب نحو مشروع وطني مدني ديمقراطي يؤسس لجيش مهني واحد وعدالة انتقالية حقيقية.
وما عدا ذلك، فهو مجرد لف ودوران وكذب جديد من نفس الكذاب القديم.