أعمدة ومقالات

قراءة خلف السطور في بياني القاهرة والخرطوم عن مجزرة المعدنيين.

( 4—– 6 )

بقلم السفير الصادق المقلي..

( A )

أ. بيان الحكومة المصرية

الإقرار بالقصف ودلالة الحديث عن فرض السيادة. إذا كان البيان المصري قد أقرّ بوقوع القصف، ووصف المعدنيين السودانيين بأنهم «عناصر إجرامية»، وزعم وجودهم داخل الأراضي المصرية، فإن ذلك يثير تساؤلات بالغة الخطورة حول الموقع الذي وقعت فيه المجزرة، وحول الأساس الذي استندت إليه القاهرة في اعتبار المنطقة أرضاً مصرية.
وتزداد خطورة الأمر إذا كان البيان قد ربط العملية، بحسب ما ورد فيه، بحملة لفرض السيادة المصرية على المقدرات والثروات القومية؛ إذ يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام مجرد تبرير لعملية عسكرية، أم أمام ادعاء جديد بالسيادة على المنطقة التي وقعت فيها المجزرة، وهي منطقة العقيدات وسوق الأنصاري؟
فمصر، التي لا يزال ملف مثلث حلايب وشلاتين يثير الخلاف بشأنه، هل تمضي الآن إلى توسيع نطاق ادعاءاتها الإقليمية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما موقف الحكومة السودانية من هذه المزاعم؟
ويكتسب الأمر خطورة إضافية إذا صحّ أن البيان تحدث عن إلقاء منشورات تحذيرية قبل القصف، ونسب العملية إلى القوات المسلحة المصرية؛ إذ إن ذلك يستدعي مساءلة واضحة بشأن طبيعة العملية وأهدافها، ومدى التناسب بين الذرائع المعلنة وحجم الخسائر البشرية التي أُبلغ عنها.

الامتنان باستضافة السودانيين لا يبرر سفك دمائهم

تحدث البيان المصري عن العلاقات الممتازة بين البلدين، واستحضر وجود ملايين السودانيين في مصر، في سياق يبدو وكأنه تذكير بما تقدمه القاهرة للسودانيين من استضافة.
لكن العلاقات بين الشعوب لا تُقاس بعدد المستضافين، ولا يجوز أن تتحول الاستضافة إلى ورقة للمزايدة السياسية، أو إلى ما يُفهم منه تبرير سقوط الضحايا السودانيين في العقيدات وسوق الأنصاري.
إن السودانيين الموجودين في مصر مواطنون لهم كرامتهم وحقوقهم، وكذلك المعدنيون الذين فقدوا أرواحهم. ولا يجوز وضع الأمرين في ميزان للمقايضة؛ فحسن الجوار وحماية المدنيين واحترام سيادة الدول التزامات لا مِنّة فيها، ولا تنتقص منها الروابط التاريخية بين الشعبين.
3. إذا كان البيان قد أقرّ بالقصف، فما الذي تنتظره لجنة التحقيق؟

إذا كان البيان المصري قد أقرّ بتنفيذ القصف، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي بقي أمام لجنة التحقيق لتكشفه، وما طبيعة الوقائع التي يُراد التحقق منها؟
فالإقرار بوقوع القصف، إن ثبتت دلالته على النحو المتقدم، لا يعني بالضرورة اكتمال الأدلة على جميع ملابسات المجزرة أو المسؤولية القانونية عنها؛ لكنه يجعل من الضروري تحديد الجهة التي أصدرت الأمر، والأهداف التي استُهدفت، والأساس القانوني للعملية، وحقيقة ما إذا كانت قد أودت بحياة مدنيين سودانيين.
ثم إن الحديث عن فرض السيادة على منطقة الحادث، ، يثير سؤالاً يتجاوز المسؤولية عن القصف إلى مسألة السيادة الإقليمية ذاتها.
فهل ستطلب الحكومة السودانية من نظيرتها المصرية توضيحات رسمية وصريحة بشأن هذه المزاعم؟ وهل ستضع مسألة السيادة على المنطقة في صلب اتصالاتها بالقاهرة، أم سيجري حصر القضية في إطار التحقيق في سقوط الضحايا، مع إغفال ما قد ينطوي عليه البيان من دلالات سياسية وإقليمية؟

ب… بيان الحكومة
السودانية.

الضحايا أم الشهداء؟
استخدم البيان السوداني وصف «الضحايا» للقتلى، ولم يصفهم بالشهداء. ونحسبهم شهداء عند الله، ونترحم على أرواحهم، ونسأل الله أن يتقبلهم بواسع رحمته.

وقد تبدو المفاضلة بين المصطلحين مسألة لغوية، لكنها في سياق الفاجعة تحمل بُعداً وجدانياً ورمزياً لدى أسر القتلى وذويهم، ولدى الرأي العام السوداني الذي ينتظر من حكومته خطاباً يعكس حجم المصاب ووقعه على المجتمع.

لماذا وُصفت المجزرة بأنها «حادث»؟
وصف البيان السوداني ما جرى بأنه «حادث»، وهي تسمية قد تبدو أقل من فداحة ما وقع، إذا كانت الوقائع المتاحة تشير إلى قصف أفضى إلى سقوط عدد كبير من القتلى.
فكلمة «حادث» قد تُستخدم لوصف واقعة عارضة أو ملابسات لا تزال مجهولة، لكنها قد تُفهم أيضاً بوصفها تقليلاً من جسامة الحدث، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأرواح أُزهقت وبتداعيات تمس العلاقات بين دولتين.
ومن هنا، فإن السؤال ليس مجرد اعتراض على مفردة لغوية، بل هو سؤال عن طبيعة الخطاب الرسمي: هل تعكس التسمية حجم المأساة، أم أنها تتجنب توصيفاً أكثر صراحة لما حدث إلى حين اكتمال التحقيق؟

المنطقة الحدودية أم الأراضي السودانية?
أشار البيان السوداني إلى موقع الحادث باعتباره «المنطقة الحدودية» بين البلدين، ولم يسمّه، وفق الصياغة المنقولة، أرضاً سودانية.
وهذه التسمية تحتمل أكثر من قراءة، خصوصاً إذا وضعناها إلى جانب ما نُسب إلى البيان المصري من حديث عن وجود المعدنيين داخل الأراضي المصرية، وعن فرض السيادة على المنطقة.
فإذا كانت القاهرة تستخدم لغة توحي بأن الموقع يقع ضمن نطاق سيادتها، بينما تكتفي الخرطوم بوصفه منطقة حدودية، فإن الفارق بين الصياغتين يستحق التوقف عنده.
هل جاء التعبير السوداني لعدم حسم الموقع قانونياً قبل انتهاء التحقيق، أم أنه يعكس حذراً دبلوماسياً في التعامل مع القاهرة؟ وهل لدى الحكومة السودانية موقف واضح ومحدد من الوضع القانوني للمنطقة التي وقعت فيها المجزرة؟

إذا كانت هناك معطيات واضحة عن القصف، فلماذا يستمر الغموض؟
نحن أمام بيان مصري نُسب إليه الإقرار بتنفيذ القصف، وبيان سوداني استخدم لغة وصفها البعض بأنها حذرة في تسمية الحدث وموقعه. وبين البيانين تقف لجنة التحقيق، وتقف كذلك الاتصالات الجارية مع القاهرة.
وهنا يعود السؤال الجوهري: ما الذي تنتظره لجنة التحقيق؟ وما الذي يجري بحثه مع الحكومة المصرية؟ وهل تتناول هذه الاتصالات المسؤولية عن القصف وحدها، أم تشمل أيضاً الادعاءات المتعلقة بالسيادة على موقع المجزرة؟
إن المطلوب ليس الاكتفاء ببيانات عامة أو بتأكيد استمرار التواصل بين الحكومتين، بل إعلان واضح عن نطاق التحقيق، والوقائع التي يجري التثبت منها، والجهات التي تتحمل مسؤولية ما حدث، والموقف الرسمي من أي ادعاءات تمس الأراضي السودانية.
خلاصة القول
إن قراءة بياني القاهرة والخرطوم خلف السطور تضعنا أمام حقائق..
فلا يجوز أن تتحول العلاقات الممتازة بين البلدين إلى مبرر لتخفيف المساءلة، ولا أن تُستخدم لغة البيانات الرسمية لإبعاد الأنظار عن أسئلة جوهرية، ولا أن يبقى ملف السيادة معلقاً بين توصيف مصري يوحي بالملكية وتوصيف سوداني يكتفي بالإشارة إلى المنطقة الحدودية.
إن دماء المعدنيين السودانيين تستحق تحقيقاً جاداً وشفافاً، وأسرهم تستحق الحقيقة والإنصاف، والشعب السوداني يستحق من حكومته موقفاً واضحاً لا يكتفي بالتواصل الدبلوماسي، بل يحدد المطالب والحقوق والنتائج المنتظرة.
فهل ستجيب لجنة التحقيق عن هذه الأسئلة؟ وهل ستطلب الحكومة السودانية توضيحات رسمية بشأن ما نُسب إلى البيان المصري من ادعاءات تتعلق بالسيادة؟ أم ستظل هذه الأسئلة معلقة، بينما تتقدم لغة المجاملات على لغة الحقوق؟

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة