الطيب الهادي فتى خرج يلتمس رزقًا لإخوته، ثم عاد خبره إلى بيته فجيعةً، وإلى السودانيين سؤالًا عن أمانة الحكم وحرمة الدم. وأن يُقتل الإنسان، ثم يُبتلى أهله بمن ينكر عليهم مصابهم، فذلك ظلمٌ يتبع الظلم. وأن تُستعمل الحيلة لتكذيب الموجوعين، وصرف الأنظار عمّن عجزوا عن حمايتهم، فذلك مبلغ ما تبلغه النفوس حين تسترخص العباد في سبيل السلطان. وفي تقديري، فإن محاولة إنكار استشهاد الطيب ترمي إلى تخفيف الضغط على البرهان، وصرف الغضب عن ضعفه، وتحويل الناس من مساءلة السلطة عن دماء مواطنيها إلى مجادلة أسرةٍ في حقيقة فقدها. وهذه، في «برهانستان»، من وظائف الإخوان المسلمين: أن يكسوا العجز ثوب الحكمة، وأن يجعلوا التفريط حُسن تدبير، وأن يطلبوا من السودانيين شكر الحاكم على ضعفٍ دفعوا هم ثمنه من أرواحهم. طوال نحو ثلاثين عامًا، تمرّسوا على تسويق السلطان باسم الدين، وعلى خلط الحق بالباطل، وتزيين القبيح، وقلب مواضع الاتهام. فإن سأل المظلوم عن حقّه صار صاحب فتنة، وإن طالب الناس بالحماية صاروا مهدّدين لأمن الدولة، وإن انكشف تقصير الحاكم استُدعيت الشعارات لتستر ما عجزت الحجّة عن ستره. يستأسد برهانهم على السودانيين، فتهتف الدعاية بشجاعته؛ ويطأطئ أمام الحكم المصري، فتُشيد بحكمته. وفي الحالين يُراد للشعب أن يدفع الثمن، وأن يحمد لصاحب السلطة صنيعه! وفي مواجهة استخذاء البرهان أمام الحكم المصري، وانحطاط نموذج الإخوان المسلمين في الحكم، جاءت قصة الشهيد الطيب لتكشف ما تحاول هذه الدعاية ستره؛ فتى يستعظم القليل الذي للناس في ذمّته، في بلدٍ استصغر حكّامه حقوق شعبٍ كامل. يتيمٌ في السادسة عشرة، يحمل همّ إخوته، وينحت في الصخر ليلتمس لهم رزقًا حلالًا. وفي وصيته، لم تغب عن ضميره كيلتا سمسم وأربع جوالات عيش بقيت في ذمّته؛ يسأل العفو، ويوصي بأداء الحقوق، ويستعظم أن يمضي وفي عنقه شيءٌ للناس. شوفوا المفارقة دي. هذا الفتى يخشى أن يلقى الله وفي ذمّته كيلتا سمسم؛ والذين حكموا باسم الله نهبوا المال العام، وقهروا العباد، ودخلوا في الأرواح والدماء، ثم ملأوا البلاد هتافًا: «هي لله، هي لله»! والمصيبة أن كلّ فسادهم جرى باسم الدين. وُضع اسم الله فوق مظالم الناس، كأن الشعار يطهّر السحت، وكأن الولاء للجماعة يُسقط حقوق المظلومين. فكيف يقيم الكاذبُ الدين؟ وكيف يعظّم المرء ربَّه ثم يحتقر عباده؟ وأين أثر الخشية إذا هان الدم، وضاع المال، وصار نصيب الفقير من سلطانكم القهر، ومن منابركم الاتهام؟ يا كيزان، المسألة ما مطلوقة ساي. حقوق الناس لا تمحوها الدعاية، والله لا تخفى عليه خافية. وقد يحمل فتى فقير من صدق التديّن ما يفضح زيف أصحاب المنابر والقصور. ولهذا تبدو قصة الطيب ثقيلةً عليهم: إنها تعيد الدين إلى موضع امتحانه في الأمانة والرحمة وكفّ الأذى، وتضع حرصه على كيلتي سمسم في مواجهة تفريطهم في حقوق شعبٍ كامل. ولم يكن الطيب وحده؛ رحل معه آخرون، ولأهلهم جميعًا حقّ المعرفة والإنصاف والمحاسبة. سلبت الغارة الطيب حياته، ويحاول الإنكار أن يسلب أهله حقّهم في الحزن والمطالبة بالعدل. ولكن من لطف الله أن يُبقي للحقّ شهودًا، وأن يجعل أمانة صغيرٍ حُجّةً على من استكبروا، حتى ينكشف الدجل ويسقط ما زيّنه أصحابه. رحم الله الطيب ورفاقه، وجبر كسر أهلهم. أما الذين يستأسدون على شعبهم، ويستخذون أمام السلطات المصرية، فلن تصنع لهم الدعاية عِزّةً، ولن يجعل الكذبُ خذلانَهم فضيلةً، ولن تبرأ ذممهم حتى تُؤدَّى الحقوق إلى أهلها.