عملتُ في المجال المصرفي عشر سنوات ببنك الخرطوم .. ثم عملت ضعف تلك المدة وأكثر في دولة الإمارات العربية المتحدة .. متنقلاً بين أكثر من مؤسسة مصرفية حتى وصلت إلى درجات إدارية محترمة .. لذلك حين أتأمل بعض ما يجري اليوم في السودان أشعر أحياناً أنني أمام منظومة إدارية لا أفهم منطقها .. وكأنني أعيش في متاهة سريالية تتبدل فيها القواعد .. وتتعقد فيها الإجراءات .. وتضيع فيها الغايات بين المكاتب والأختام والشروط …
عدتُ إلى السودان بعد الثورة ثم شهدت الإنقلاب علي المدنية ثم (حرب الندامة) ونزحت وتشردت وفقدت مدخرات العمر وكل شيء حرفياً ..حتى استقرار تعليم أولادي…
ودا ما موضوعنا!
ابن خالي امتحن الشهادة السودانية وأحرز درجة ممتازة بعد عودته وأسرته إلى السودان من رحلة لجوء في إحدى دول الجوار .. وبفضل تفوقه تحصل على منحة دراسية في إحدى دول (حق الفيتو) لتبدأ أمامه مرحلة جديدة من حياته كان يفترض أن تكون عنواناً للأمل بعد سنوات من المعاناة …..
لكن السفر للدراسة يحتاج إلى دولارات وفي بلادنا قد تكون أبسط الإجراءات بداية رحلة طويلة من البحث والسؤال والرجاء ….
تواصل معي أهله وأنا في مهجري القسري .. وأخبروني بأن بنك الخرطوم يبيع الدولارات بالسعر الرسمي للطلاب المسافرين للدراسة .. وطلبوا مني مساعدتهم في معرفة التفاصيل .. بحكم عملي السابق بالبنك ….
أجريت اتصالات ببعض من تبقى من الزملاء والزميلات .. فأكدوا لي صحة المعلومة .. لكنهم أوضحوا أن العملية مشروطة بأن يكون للطالب حساب مصرفي باسمه .. وأن يكون به مبلغ الدولارات المطلوب لمدة لا تقل عن أسبوعين إلى جانب تقديم أوراق القبول الجامعي والتأشيرة .. والأدهى أن هذه المعاملة وفقاً للمعلومات التي حصلت عليها متاحة عبر فرع البنك في بورتسودان فقط ….
وقفت أمام الشروط متأملاً وقلت في نفسي كأنهم يقولون للطالب إننا سنوفر لك الدولارات .. ولكننا سنضع أمامك من العقبات ما قد يحول دون حصولك عليها !!!
فكيف لطالب لم يبلغ السن القانونية اللازمة لفتح حساب مصرفي مستقل أن يستوفي شرط الحساب باسمه .. وتكون فيه حركة وأموال مودعة لمدة أسبوعين علي الاقل ؟؟؟ أليس من بين الطلاب من هم في مثل هذه السن وقد حصلوا على منح دراسية خارج البلاد ؟؟؟
قد تكون هناك اعتبارات رقابية أو مصرفية تبرر بعض هذه الشروط .. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل صُممت الإجراءات لتناسب واقع الطلاب .. أم أصبح على الطالب أن يحقق شروطاً لا يستطيع تحقيقها أصلاً حتى يحصل على الخدمة التي يحتاج إليها ؟؟؟
المهم أرسلنا الأوراق إلى معارفنا .. عسى ولعل أن يجدوا مخرجاً أو استثناءً من شرط الحساب الشخصي .. خصوصاً أن الطالب لا يملك حساباً باسمه .. وإن كان لأخيه حساب مصرفي .. لكنه افادوا انه شرط اساسي .. وظللت أحاول
وصل الشاب إلى بورتسودان وسألني إن كانت هناك أخبار جديدة بشأن معاملته .. ثم فاجأني بقوله إنه علم بوجود (بنك تركي) يقدم الخدمة نفسها .. من دون اشتراط امتلاك الطالب حساباً مصرفياً باسمه .. وإنه سيذهب إليه في اليوم التالي إذا لم نتمكن من إنجاز معاملته عبر بنك الخرطوم .. سألته عن اسم البنك فقال (زراعات كاتيليم) .. وللحقيقة لم أكن قد سمعت بهذا البنك من قبل في السودان …
استعنت بعمنا قوقل فوجدت تعريفاً بالبنك يفيد بأنه بدأ قبول العملاء في السودان بتاريخ 27 أغسطس 2020 بترخيص مصرفي كامل وفقاً للقوانين السودانية .. وبرأس مال قدره عشرة ملايين دولار أمريكي .. وأنه أول بنك إسلامي مملوك للدولة في تركيا .. وأول بنك إسلامي تركي في السودان وفقاً للتعريف المنشور عنه ….
كما وجدت في التعريف حديثاً عن تقديم منتجات مصرفية متوافقة مع مبادئ الصيرفة الإسلامية .. وعن السعي إلى توفير حلول تلائم احتياجات العملاء .. والمساهمة في إضافة قيمة للمجتمع السوداني ….
قرأت الكلام لكنني لم أستطع أن أتصور أن هذا البنك سيمنح الطالب الدولارات التي تعثرت معاملته في الحصول عليها لدى بنك الخرطوم .. لا سيما أن المسألة تتعلق بالبيع بالسعر الرسمي .. وبإجراءات مصرفية يفترض أن تحكمها ضوابط محددة كما افادوني جماعة بنكوالخرطوم ….. ..
وجاءت المفاجأة .. اتصل بي في صباح اليوم التالي .. وكان صوته مفعماً بالفرح .. وأكد لي أنه استلم الدولارات بالفعل وبالسعر الرسمي الذي كان يسعى إليه .. باركت له وتمنيت له التوفيق في دراسته وها هو يستعد لمغادرتنا غداً إلى (بلاد الفيتو) حاملاً معه فرصة علمية يستحقها بعد رحلة من المعاناة والأسئلة والإجراءات …
فرحت من أجله لكن الواقعة ظلت تشغل ذهني .. كيف استطاع بنك تركي يعمل في السودان أن يوفر لهذا الطالب خدمة تعثر حصوله عليها لدى بنك الخرطوم أكبر البنوك السودانية وأعرقها؟ لكني استدركت أن بنك الخرطوم نفسه صار شبه اجنبياً تملك نسبة معتبرة منه بنوك اماراتية ومستثمرين من الامارات !!! ….
أنا لا أملك من واقعة واحدة إجابة قاطعة عن هذه الأسئلة .. ولا أزعم أن كل طالب سيجد بالضرورة المعاملة نفسها لدى البنك التركي .. لكنني أملك واقعة تستحق أن تُطرح للنقاش خصوصاً حين يتعلق الأمر بمستقبل طالب متفوق حصل على منحة دراسية وأصبح تأمين احتياجات سفره جزءاً من تمكينه من استغلال هذه الفرصة …
لسنوات طويلة، تعلمت في العمل المصرفي أن الإجراءات ليست غاية في ذاتها .. وإنما وسيلة لحماية الأموال وضبط المعاملات .. وتقديم الخدمات للناس وفقاً للقانون .. وحين تتحول الوسيلة إلى عقبة يصبح من حقنا أن نسأل عن جدوى الإجراءات ومدى تناسبها مع الحالات التي يُفترض أن تخدمها ..
إذا كان الطالب لا يستطيع فتح حساب باسمه لصغر سنه .. فلماذا لا يُنظر في بدائل قانونية تتيح لوليه أو لأحد أفراد أسرته استكمال المعاملة متى استوفت الضوابط الرقابية المطلوبة؟؟؟ وإذا كان من الممكن تقديم الخدمة في بنك آخر فلماذا لا تُدرس التجربة وتُراجع الإجراءات بدلاً من ترك الطلاب وأسرهم يتنقلون بين المصارف بحثاً عن حل؟؟؟
إنني لا أدعو إلى تجاوز القوانين ولا إلى التفريط في الضوابط المصرفية .. وإنما أدعو إلى أن تكون القوانين والإجراءات جسراً إلى الخدمة .. لا جداراً يحول دونها …
أما بنك الخرطوم الذي كان شعاره في أيامنا (تعال ومعك آخرون) فأرجو أن تكون هذه الواقعة فرصة للتأمل والمراجعة لا مجرد حكاية تُروى عن طالب نجح في الوصول إلى غايته من باب آخر .. فالمسألة أكبر من دولارات طالب وأكبر من منافسة بين بنك سوداني وبنك تركي .. إنها سؤال عن طبيعة الإدارة في بلادنا لماذا تبدو بعض الخدمات البسيطة رحلة معقدة ولماذا يضطر المواطن أحياناً إلى الاستعانة بمعارفه وعلاقاته حتى يحصل على خدمة يفترض أن تكون متاحة وفق شروط واضحة ومعلنة؟؟؟
لقد عملت في المصارف سنوات طويلة وظننت أنني أعرف ما يكفي عن العمل المصرفي .. لكنني وجدت نفسي أمام هذه الواقعة أردد بدهشة لا تخلو من السخرية
والله أنا طلعت زول ما فاهم حاجة، في سريالية بلد الكرامة!!!