الحلقة الأولى: هل خرج البرهان من البدروم ليدخل متاهته الأكبر؟
قبل أربع سنوات، كتبتُ عن عبد الفتاح البرهان مقولةً لم أكن أعرف يومها أن الزمن سيمنحها كل هذه الظلال، وأن الجحر الذي رأيته آنذاك يطبق علي جنرال، قد ينتهي بنا إلى رؤية وطنٍ بأكمله محشوراً بداخله. قلت حينها: «لا أعرف جنرالا حشر نفسه، في جحر أضيق من خرم إبرة، كما فعل هذا الجنرال المغامر “عبدالفتاح البرهان”. هو جحر مليء في الحقيقة علي ضيقه، بشتي أنواع الهوام، والأفاعي، والعقارب. إذ كلما إستدار الرجل يمنة فح بوجهه ثعبان عربيد، او تطلع يسارا رأي شوكة عقرب نافرة، أو نظر الي أعلاه وجد مخلب نسر جارح يكاد يتخطفه، أو الي أدناه حيث “الحية الرقطاء” التي يعرفها وتعرفه، كجوع بطنها التي صارت بزوال ملكها خاوية». لم تكن تلك الصورة، في ظني، مجرد استعارةٍ عابرة لرجلٍ أحاطت به تناقضات السلطة؛ فقد كان البرهان، منذ صعوده المفاجئ إلى واجهة المشهد عقب استقالة عوض بن عوف في أبريل 2019، يقف عند تقاطع طرقٍ لا تفضي بالضرورة إلى النجاة. بدا كأن التاريخ قد دفع به إلى المسرح قبل أن يمنحه فرصة فهم الدور، أو قبل أن تتكشف له طبيعة القوى التي تتنازع خشبته. لم يكن السؤال يومها: كيف وصل الرجل إلى القمة فحسب؟ لكن: لماذا هو تحديداً دون غيره؟ وكيف استطاع أن يصبح، في لحظةٍ واحدة، نقطة التقاءٍ لقوى متعارضة، لكلٍّ منها حساباتها ومطامعها وتصوراتها الخاصة للسودان الذي تريده؟ ثمة صعودٌ يحدثه التخطيط، وآخر تصنعه موازين القوة، وثالث يبدو، لمن يقرأ حركة التاريخ من وراء ظاهر الوقائع، كما لو أن المصادفات نفسها قد انتظمت في سياقٍ أكبر من إرادة أصحابها. وليس في ذلك جزمٌ بأن للقدر خطةً مكشوفةً نعرفها، أو أن الأشخاص يمضون إلى نهاياتٍ مرسومة سلفاً؛ إنما هو سؤال التأويل حين يعجز التفسير السياسي وحده عن الإحاطة بكل ما يحدث: هل ينتخب التاريخ بعض رجاله لأنهم يملكون مفاتيح اللحظة، أم لأنه لم يستنفد بعدُ ما يريد كشفه من خلالهم؟ هكذا بدا البرهان: لا رجلٌ يمسك بكل الخيوط، بل رجلٌ تتجمع عنده خيوطٌ متعارضة، وقد يظن أنه يديرها، بينما تكون هي، في جانبٍ منها، التي تدير حركته. ففي الخامس عشر من أبريل 2023، انقلبت التوازنات التي بدا أنها استقرت، وانفتح السودان على واحدةٍ من أكثر لحظاته دمويةً وانهياراً. لم تعد الخصومة داخل معسكر السلطة قابلةً للاحتواء بالمناورات المعتادة، ولم تعد الشراكة التي جمعت المكونيين العسكري والمدني قادرةً على إخفاء ما تحتها من تناقضات. انفجر الصراع، وانفتح معه السؤال الذي ظل يتراكم تحت سطح الانتقال السياسي والعسكري: من يملك الدولة، ومن يملك السلاح، ومن يملك حق تقرير مصير البلاد؟ في تلك الأيام، وجد البرهان نفسه محاصراً داخل القيادة العامة، في مشهدٍ لم يكن يختبر قدرته العسكرية وحدها، بل وضع وجوده السياسي والشخصي على المحك. كان البدروم، بما يحمله من دلالة الاختناق والعزلة، صورةً مكثفةً لسلطةٍ ضاقت عليها المساحات، حتى غدا الخروج من الحصار أشبه بالخروج من فم الموت. ومن هنا بدأت مفارقة تستحق التأمل، لا النظر العابر. فالنجاة من الحصار لا تعني بالضرورة النجاة من أسبابه، والخروج من مكانٍ مغلق لا يعني أن الطريق إلى الحرية قد انفتح. قد يغادر المرءُ القبو، لكنه يكتشف أن العالم الذي خرج إليه ليس سوى دهليزٍ يقوده إلى أبوابٍ أكثر تعقيداً، وأن ما حسبه نهاية الخطر لم يكن سوى انتقاله من خطرٍ مرئي إلى أخطارٍ تتخفى وراء التحالفات والوعود والمصالح. وكذلك ينشأ من هنا سؤال آخر يضعنا أمام احتمالين متباينين: أن تكون النجاة قد أعادت إليه زمام المبادرة، أو أن تكون قد أبقته في قلب أزمةٍ تتسع كلما حاول الخروج منها. فالرجل الذي نجا من الحصار لم يخرج إلى دولةٍ مستقرة، ولا إلى جيشٍ موحد، ولا إلى مشهدٍ سياسيٍّ متوافق على المستقبل. خرج إلى حربٍ تتشابك فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، وإلى واقعٍ تتنازع حوله القوى المسلحة والسياسية روايات الشرعية، بينما يدفع السودانيون ثمن الصراع من أرواحهم وبيوتهم وذاكرتهم ومستقبلهم. ولعل أخطر ما في هذه المتاهة أن أطرافها ليسوا كلهم أعداءً معلنين. ففي السياسة، قد يكون الخصم الذي تعرفه أقل خطراً من الحليف الذي لا تعرف حدود طموحه، وقد تتحول اليد التي تمتدّ لإنقاذك إلى يد تحاول الأمساك بك حين تحاول الإفلات منها. وهنا تعود صورة الجحر القديم، لا بوصفها حكماً نهائياً على مصير البرهان، لكن بوصفها سؤالاً مفتوحاً عن طبيعة القوى التي أحاطت به منذ صعوده، وعن قدرته على التمييز بين من يستند إليه ومن يستند عليه هو نفسه لبلوغ غايات خاصة. فليس كل من يقف مع الجنرال يقف معه لمجرد أنه جنرال علي السدة، وليس كل من يساند بقاءه يريد بقاءه بالشروط التي يتصورها هو. قد تتفق القوى على شخصٍ واحد، لا لأنها تتفق على ما يريد، إنما لأن وجوده يتيح لكلٍّ منها أن يواصل مشروعه، أو يؤجل لحظة انكشافه. ولذلك، فإن الخروج من البدروم لا يكفي وحده دليلاً على أن البرهان قد استعاد حريته في القرار. فربما خرج من حصار عسكري الطابع، لكنه ظل في ذات الوقت محاصراً بتوازناتٍ صنعت صعوده، وبشبكاتٍ لا يسهل الفكّاك منها، وبحلفاء لا تتطابق بالضرورة غاياتهم مع غاياته. إنها مفارقة السلطة حين تصبح النجاة الشخصية أضيق من أن تكون خلاصاً سياسياً، وحين ينجو الرجل من الموت، لكنه يظل مطالباً بالإجابة عن السؤال الأصعب: أيُّ شيءٍ نجا معه، وأيُّ شيءٍ بقي أسيراً في ذات المكان؟ غير أن النظر إلى البرهان باعتباره رجلاً تحاصره القوى من كل جانب لا يعفينا من مساءلته عن اختياراته. فالمتاهة، مهما تعقدت، لا تلغي مسؤولية من يسير فيها؛ والتحالفات، مهما تعددت ضغوطها، لا تسلب صاحب القرار مسؤوليته عن قراراته. ليس الجنرال مجرد ضحيةٍ لمكر الآخرين، كما أنه ليس بالضرورة سيداً مطلقاً لكل ما يجري حوله. إنه، في آنٍ واحد، فاعلٌ في الأزمة وأسيرٌ لبعض شروطها، وهذه بالذات إحدى عقدها التي تستحق التفكيك. لكن ثمة جهةً في هذه المتاهة لا يجوز المرور عليها مروراً عابراً؛ جهةٌ لا تأتي من أعلى، حيث مخلب النسر، ولا من الأجناب، حيث تتقاطع الأفاعي والعقارب، لكن من أسفل، من المنطقة التي وصفتها في عبارتي القديمة بالحية الرقطاء التي تعرف البرهان ويعرفها. إنها العلاقة الأكثر التباساً في تاريخ السلطة السودانية الحديثة: علاقة الجنرال بالحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق؛ علاقةٌ لا يكفي فيها أن يرفع هو شعار الإنكار والقطيعة، وبالتالي ينبغي أن نفحص كيف تتداخل المصالح، وكيف تعود الشبكات القديمة إلى الحياة، وكيف يمكن لإرثٍ سياسيٍّ أن يظل فاعلاً حتى بعد أن يغادر أصحابه شكليا واجهة الحكم. فالحركة التي فقدت رأس الدولة لم تفقد بالضرورة كل ما راكمته داخل مؤسساتها ومفاصلها، كما أن سقوط النظام إسميا لا يعني تلقائياً اختفاء أدواته وشبكاته ورجاله. قد تتوارى تكتيكا بعض القوى، وقد تعيد ترتيب مواقعها، وقد تنتظر لحظةً تسمح لها بالعودة من أبوابٍ لم تكن مفتوحةً بالطريقة نفسها من قبل. وهنا لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كان البرهان حليفاً لهذه القوى أو خصماً لها، إنما يصبح أكثر دقةً وتعقيداً: هل يستطيع الجنرال أن يستخدم ما تبقى من شبكات النظام السابق من دون أن يقع تحت تأثيرها؟ وهل يمكن لقوةٍ أن تمدّه بأسباب البقاء، ثم تصبح، في الوقت نفسه، أحد مصادر حصاره؟ وأين تنتهي حساباته الخاصة، وأين تبدأ حسابات الذين يرون في الحرب فرصةً لاستعادة ما فقدوه؟ تلك أسئلة لا تحسمها الشعارات، ولا تكفي للإجابة عنها تصريحات القطيعة أو صور التحالف. إنها تحتاج إلى قراءةٍ متأنية لمسار القرارات، ولطبيعة القوى التي صعدت أو استعادت نفوذها بعد الإنقلاب أو بشكل أكثف في ظل الحرب، وللنتائج التي تتجاوز أحياناً ما يعلنه أصحابها من مقاصد. فالحرب لا تعيد ترتيب موازين القوة فحسب؛ إنها تكشف أيضاً ما كان مستتراً في بنية الدولة، وتمنح بعض القوى فرصاً جديدة، وقد تدفع قوى أخرى إلى مأزقٍ لم تكن تتوقعه. وليس ثمة ما يضمن أن من يشعل الحريق يستطيع التحكم في اتجاه الريح، أو أن من يراهن على الحرب لاستعادة نفوذه لن يجد نفسه، في نهاية المطاف، أمام واقعٍ يهدد ما أراد استعادته. من هنا، لا تبدو الحية التي تعرف البرهان مجرد صورةٍ بلاغية في مقالٍ قديم؛ إنها مفتاحٌ لقراءة علاقةٍ سياسية لم تنتهِ فصولها بعد، ولا يجوز اختزالها في حكمٍ مسبق على ما ستؤول إليه. ففي أسفل الجحر لا زالت هناك حيةٌ يعرفها البرهان وتعرفه. لم تظهر اليوم، ولم تولد مع الحرب، ولم تكن غريبةً عن تاريخ السلطة في السودان. إنها جزءٌ من الحكاية القديمة التي لم تنتهِ بعزل رأس النظام، ولا اختفت شبكاتها بمجرد أن غادر القصر ساكنوه السابقون. فما طبيعة هذه العلاقة التي تجمع الجنرال بالحية؟ وكيف يمكن لقوةٍ أن تساعد على تثبيت السلطة، ثم تصبح أحد أسباب حصارها؟ وهل تستطيع الحركة الإسلامية أن تستعيد الدولة عبر الحرب، أم أن الحرب نفسها قد تدفعها إلى مواجهة نتائج لم تكن في حسبانها؟ من هنا تبدأ حكاية أكثر تعقيداً.
في الحلقة الثانية: هل تستطيع الحية الرقطاء ابتلاع الجنرال أم إنقاذه من مأزقه؟