هناك صراع عنيف وتراشق بين الرئيس الأمريكي ترامب والنائبة الديمقراطية إلهان عمر، وكلاهما أمريكي بـ(الميلاد) ومن أصول دولة أخرى، والرئيس الأمريكي السابق أوباما كان (أمريكياً) من أصول أفريقية، ورغم ذلك فاز بالرئاسة؛ فقد تجاوز العالمُ النظرَ لـ(الأصول)، وأصبح البلدُ الذي نشأتَ فيه هو وطنك، فأمريكا أقوى دول العالم اليوم نشأت بالعقول وليس بالأعراق والأصول، وقد أصبح العالم كله اليوم قرية صغيرة.. إلا العرب والأفارقة الذين ما زالت لديهم الأصول والأثنية والقبلية الضيقة هي أساس الحكم والتفوق، وبما أننا دولة (خليط) بين العرب والأفارقة ونملك المئات من اللهجات المحلية والأعراق والثقافات المختلفة فإننا (الأسوأ) في ذلك الموضوع والأكثر تعصباً بين كافة دول العالم، فالأمر لا يقتصر على قبيلة دون أخرى؛ فالبني عامري أو الهدندوي الذي يتحدث الإريترية يرى في (الزغاوي) الذي يتحدث التشادية ليس بـ(سوداني)، والعكس كذلك، فإن المحس والدناقلة (فراعنة) ومصريون، وسكان الجنوب السوداني أفارقة، والكل يرى بأنه الأحق بالسودان من غيره، ومع السياسة العرجاء للحكومات العسكرية التي تتبع سياسة (فرّق تسد) تحول هذا التنوع الذي كان من المفترض أن يكون (ميزة) إلى صراع يحصد الأرواح ويهدد حتى بقاء الدولة نفسها.. ولا عتاب على الإعلام المصري وهو يتبنى سردية أن المُعَدِّنين السودانيين الذين قام بضربهم بالطائرات ليسوا بـ(سودانيين) بل من دول الجوار الغربي، وهو يستغل محاولات هروب إعلام البلابسة من تحميل حكومة الأمر الواقع العسكرية مسؤولية التواطؤ مع السيسي في تلك الضربة الغادرة وهو يتحدث بأن من تم قتلهم ليسوا سودانيين بل من دول غرب أفريقيا، ويتحدث عنهم كأنهم غير بشر يحق لهم الحياة بناءً على سردية الدولة التي تكرر بأن الدعم السريع ما هو إلا مجموعة من عرب الشتات رغم أنها هي من قامت بتكوينه.. والدول الحديثة لا تُبنى بالأثنية أو العرق ولكن بالمؤسسية والتخطيط والنزاهة والعدالة والديمقراطية وجيش قوي موحد، ولن يخرج الوطن من عنق الزجاجة إلا بعد أن نتخلى عن شرخ الثلاثين عاماً الكيزانية ونتخلص من سيطرة دكتاتوريات مغامري العسكر، وهذا لن يتأتى إلا من خلال حكومة مدنية ديمقراطية يشارك فيها كل أبناء الوطن، وهي قادمة لا محالة يوماً.. والسودان الجديد سيكون أقوى وأحلى.. وثورة الوعي أبداً لن تتوقف. والمحاسبة والقصاص أمر حتمي. والعزة والخلود أبداً لشهدائنا.