أعمدة ومقالات

من امتداد ناصر ،الي سوق النعام.. دماء المدنيين و مسؤولية لا تسقط تحت مسمى الأضرار الجانبية . Collateral damage

( B )

مذبحة سوق

النعامة.. والمسؤولية التي لا تسقط تحت مسمى الأضرار الجانبية.

ولعل ما يثير الاستغراب والأسى في مأساة سوق النعامة، بمنطقة أبيي الغنية بالنفط، ليس فقط سقوط المدنيين الأبرياء، وإنما كذلك التفسيرات المتعارضة التي قدمها بعض الضباط والمحللين العسكريين لتبرير ما حدث.
فقد تابعت على قناة الحدث تعليقين للواء أمين مجذوب والعميد جمال الشهيد بشأن هذه الواقعة. ففي حين نفى الأول مسؤولية الجيش عن القصف، مستندًا إلى بُعد السوق عن مناطق سيطرة القوات المسلحة وعدم تنفيذها عمليات عسكرية في تلك المنطقة، أقر الثاني بأن الجيش استهدف المنطقة، لكنه برر الهجوم بوجود مستودعات للوقود تابعة لقوات الدعم السريع.
وهنا يبرز تناقض يستوجب التوقف عنده: هل لم ينفذ الجيش الهجوم أصلًا، أم أنه نفذه لاستهداف مستودعات وقود اعتبرها أهدافًا عسكرية مشروعة؟
ولكن حتى إذا افترضنا صحة الرواية الثانية، فإن وجود مستودعات وقود تستخدمها قوات الدعم السريع لأغراض عسكرية لا يمنح، في حد ذاته، ترخيصًا مفتوحًا لقصف منطقة تجارية مكتظة بالمدنيين.
فالقانون الدولي الإنساني، وفقًا للقواعد التي كرستها اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية والقانون الدولي الإنساني العرفي، يفرض على أطراف النزاع التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، واتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة لتجنب الخسائر المدنية أو تقليلها إلى أدنى حد ممكن.
كما يوجب توجيه إنذار مسبق وفعال بالهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تكن الظروف لا تسمح بذلك، فضلًا عن الالتزام بمبدأ التناسب الذي يحظر الهجمات المتوقع أن تتسبب في خسائر مدنية مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المنتظرة.
فإذا كانت القيادة العسكرية تعلم مسبقًا بوجود مستودعات الوقود وسط سوق يرتاده مئات المدنيين، فإن السؤال المشروع هو: ما الاحتياطات التي اتخذت لحماية هؤلاء المدنيين؟ وهل جرى تقييم الخسائر البشرية المتوقعة؟ وهل كان بالإمكان اختيار توقيت أو وسيلة أخرى تقلل المخاطر؟ وهل وُجه إنذار مسبق فعال، أم كانت هناك ظروف تحول دون ذلك؟
ولا يكفي وصف الضحايا بأنهم مجرد «أضرار جانبية» (Collateral Damage)، فهذه العبارة ليست صك براءة من المسؤولية القانونية والأخلاقية. ومشروعية الهجوم لا تتحدد بمجرد وجود هدف عسكري، وإنما أيضًا بطبيعة الهجوم، والتناسب بين المكسب العسكري المتوقع والأضرار المدنية المحتملة، والاحتياطات التي اتخذت قبل تنفيذه.
وإذا ثبت أن الهجوم نُفذ بصورة عشوائية، أو مع توقع خسائر مدنية مفرطة، أو دون اتخاذ الاحتياطات المستطاعة، فإن ذلك يثير مسؤولية قانونية خطيرة تستوجب التحقيق والمساءلة.
ثم إن وقوع هذه المأساة في منطقة أبيي، ذات الوضع الأمني والسياسي الخاص، والتي توجد فيها قوات أممية لحفظ السلام، يضيف إلى الحادث أبعادًا إقليمية ودبلوماسية بالغة الحساسية، كما عكسها احتجاج حكومة جنوب السودان واستدعاؤها السفير السوداني في جوبا.
وهنا يعود السؤال الأخلاقي الذي ينبغي ألا يغيب عن ضمير أي قائد عسكري أو سياسي: هل يمكن أن تكون مستودعات الوقود، مهما بلغت أهميتها العسكرية، مبررًا لتجاهل حياة عشرات المدنيين الأبرياء؟
إن حماية المدنيين ليست مسألة تقديرية أو دعائية، وإنما واجب قانوني وإنساني يقع على عاتق جميع الأطراف المتحاربة، دون استثناء.
فإذا كان الهدف المعلن من الحرب هو حماية الدولة السودانية واستعادة سيادتها، فإن حماية أرواح مواطنيها ينبغي أن تكون في مقدمة معايير هذا الهدف، لا أن تصبح ضحية لحساباته العسكرية.
القانون الدولي الإنساني.. قواعد ملزمة لجميع أطراف النزاع
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في دراستها للقانون الدولي الإنساني العرفي، أن حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة ليست مجرد التزام أخلاقي، وإنما واجب قانوني تحكمه قواعد واضحة تنطبق على جميع أطراف النزاع، دون استثناء.
فقد كرست القاعدة (14) مبدأ التناسب في الهجوم، الذي يحظر شن هجمات يُتوقع أن تتسبب في خسائر مدنية مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
كما تنص القواعد (15–20) على اتخاذ الاحتياطات أثناء الهجوم، والتحقق من الطبيعة العسكرية للأهداف، واختيار الوسائل والأساليب التي تقلل الأضرار المدنية، وإلغاء الهجوم أو تعليقه إذا تبين أنه مخالف للقانون، وتوجيه إنذار مسبق وفعال للسكان المدنيين عندما تسمح الظروف بذلك.
وهذه القواعد ليست حكرًا على الجيوش النظامية، بل تسري كذلك على الجماعات المسلحة المنظمة التي تُعد أطرافًا في النزاعات المسلحة غير الدولية.
ومن ثم، فإن الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين تنطبق على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على السواء، ولا يجوز لأي منهما التذرع بطبيعة الخصم أو بالأهداف العسكرية المعلنة للتنصل منها.
ولا يعفي وجود هدف عسكري مشروع أي طرف من واجبه في احترام مبدأ التناسب واتخاذ الاحتياطات المستطاعة لحماية المدنيين.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة