أعمدة ومقالات

من إمتداد ناصر إلى سوق النعام.. دماء المدنيين ومسؤولية لا تسقط تحت مسمى الأضرار الجانبية

Collateral
damage

مأساة الخدج في امتداد ناصر.. والقانون الذي لا يستثني أحدًا.

بقلم السفير الصادق المقلي

( A )

ولعل من أفجع

صور التصعيد الأخير في حرب المسيّرات تلك المأساة الإنسانية التي شهدتها ضاحية امتداد ناصر، في محيط مطار الخرطوم، حيث أودى القصف بالمسيّرات المنسوب إلى قوات الدعم السريع بحياة ثلاثة أطفال خدج، لم يعرفوا من هذه الدنيا سوى أيامها الأولى، قبل أن تطالهم نيران حرب لا ذنب لهم فيها.
فبأي ذنب قُتل هؤلاء الأطفال؟ وأي هدف عسكري يمكن أن يبرر إزهاق أرواح بريئة لم تبدأ حياتها بعد؟
إن قوات الدعم السريع، وهي تستهدف مطار الخرطوم بالمسيّرات، تدرك أن المطار يقع وسط منطقة حضرية تحيط بها أحياء سكنية مكتظة بالمواطنين، وأن أي هجوم عليه قد يعرض حياة المدنيين في تلك الأحياء لخطر جسيم.
وحتى إذا افترضنا وجود أهداف عسكرية مشروعة داخل المطار أو في محيطه، فإن ذلك لا يعفي القوات المهاجمة من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واحترام مبدأ التناسب، واتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة لتجنب إصابة المدنيين أو تقليل الخسائر في صفوفهم إلى أدنى حد ممكن.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في دراستها للقانون الدولي الإنساني العرفي، أن هذه الالتزامات لا تقتصر على الجيوش النظامية، بل تشمل جميع أطراف النزاعات المسلحة، بما فيها الجماعات المسلحة المنظمة. فالقاعدة (14) تحظر الهجمات التي يُتوقع أن تُحدث خسائر مدنية مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المنتظرة، فيما تُلزم القواعد (15–20) أطراف النزاع باتخاذ الاحتياطات المستطاعة أثناء الهجوم، والتحقق من الأهداف، واختيار الوسائل والأساليب التي تحد من الأضرار المدنية، وتوجيه إنذار مسبق وفعال عندما تسمح الظروف بذلك.
ومن ثم، فإن استهداف منشأة عسكرية في منطقة مأهولة بالسكان لا يعفي قوات الدعم السريع، أو أي طرف آخر، من هذه الالتزامات. فوجود هدف عسكري محتمل لا يبيح تجاهل حياة المدنيين، ولا يسقط واجب تقييم المخاطر واتخاذ التدابير الممكنة لحمايتهم.
كما يقتضي القانون توجيه إنذار مسبق وفعال بالهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تكن الظروف لا تسمح بذلك. ولا يكفي الادعاء بأن المقصود هو منشأة عسكرية لتبرير سقوط الضحايا بين السكان المدنيين.
فهل أخذ مخططو هذه الهجمات في الاعتبار طبيعة المنطقة السكنية المحيطة بالمطار؟ وهل قُدرت المخاطر المتوقعة على المدنيين؟ وهل اتخذت الاحتياطات الممكنة لحماية سكان الأحياء المجاورة؟
إن هذه الأسئلة ليست اتهامات مسبقة، وإنما أسئلة مشروعة يفرضها القانون الدولي الإنساني، وتستوجب إجابات واضحة وتحقيقًا جادًا في ملابسات سقوط هؤلاء الأطفال الأبرياء.
وما ينطبق على قوات الدعم السريع في امتداد ناصر ينطبق بالقدر نفسه على القوات المسلحة السودانية في سوق النعام، وعلى أي طرف آخر ينفذ عمليات عسكرية تعرض حياة المدنيين للخطر.
فالقانون الدولي الإنساني لا يميز بين ضحايا طرف وضحايا الطرف الآخر، ولا يمنح أي قوة مسلحة إعفاءً من مسؤولياتها القانونية بسبب عدالة أهدافها المعلنة أو طبيعة خصمها.
إن دماء الأطفال الثلاثة في امتداد ناصر، ودماء المدنيين الذين سقطوا في سوق النعام، تضع أمامنا حقيقة أخلاقية وقانونية واحدة: لا يجوز أن يتحول المدنيون إلى ضحايا لحسابات الحرب، ثم يُختزل موتهم في عبارة «أضرار جانبية» (Collateral Damage).

فحياة الإنسان السوداني، أينما كان، يجب أن تظل فوق حسابات النصر والهزيمة، وفوق كل اعتبار عسكري أو سياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة