أعمدة ومقالات

حين تصبح السلطة أغلى من الوطن يدفع الشعب الثمن وتضيع الأوطان

د. الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
21 October 2026

المقدمة: معادلة الخراب

حين تصبح السلطة أغلى من الوطن، تنقلب كل الموازين. يتحول الوطن من حضن آمن يضم الجميع إلى غنيمة يتقاتل عليها الفرقاء، وتتحول السياسة من فن لإدارة مصالح الناس إلى فن للبقاء في الكرسي بأي ثمن، ويتحول الشعب من صاحب السيادة ومصدر الشرعية إلى مجرد رقم في معادلة الصراع، وقود للحرب، وضحية للجوع والنزوح.

هذه ليست تنظيراً سياسياً، هذه هي الحقيقة التي يعيشها السودان اليوم بكل تفاصيلها المؤلمة. السودان الذي كان يسمى سلة غذاء العالم، أصبح شعبه يبحث عن الغذاء. السودان الذي كان مضرب المثل في التعايش والطيبة، أصبحت أخباره تتصدر نشرات المآسي والنزوح.

أولاً: كيف تضيع الأوطان؟

الأوطان لا تضيع بقرار واحد، ولا برصاصة واحدة. الأوطان تضيع بتراكم طويل من الأخطاء:

حين يُختزل الوطن في شخص: حين يعتقد الحاكم أنه هو الوطن، وأن بقاءه هو بقاء الدولة، وأن سقوطه هو سقوط الوطن، فتلك هي بداية النهاية. الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الأحزاب، وأعظم من كل الكراسي.

حين تغيب لغة العقل: حين يعلو صوت السلاح على صوت الحوار، وحين يصبح منطق القوة هو الحاكم بدل قوة المنطق، فإننا نفتح أبواب الجحيم بأيدينا. لم تحل أي حرب مشكلة السودان يوماً، بل كل حرب خلقت عشر مشاكل جديدة.

حين تبرر الأخطاء باسم الوطنية: أخطر ما يصيب الشعوب هو أن نبرر الظلم باسم الاستقرار، والفساد باسم التنمية، والقمع باسم الأمن. وحينها نصبح شركاء في ضياع الوطن ونحن نظن أننا نحميه.

ثانياً: الثمن الذي دفعه الشعب السوداني

من دفع الثمن؟ ليس من يتصارعون في القصور والمكاتب المكيفة، بل دفعه المواطن البسيط:

دفعه المواطن في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان والنيل الأزرق والخ الذي ترك بيته ومدرسة أطفاله وذكرياته ليصبح نازحاً يبحث عن مأوى.

دفعته الأم السودانية التي كانت تحلم بمستقبل لأبنائها، فأصبحت تحلم فقط بجرعة دواء أو كيس دقيق أو لحظة أمان ينام فيها أطفالها دون خوف.

دفعه الشباب السوداني، خيرة أبناء الوطن، أطباء ومهندسون ومعلمون، الذين وجدوا أنفسهم على قوارب الموت في البحر أو على حدود الدول، يبحثون عن وطن بديل بعد أن ضاق بهم وطنهم.

دفعه الاقتصاد والمزارع والمصنع الذي توقف، والمستشفى الذي خرج عن الخدمة، والمدرسة التي أغلقت أبوابها. هذا هو الثمن الحقيقي حين تكون السلطة أغلى من الوطن.

ثالثاً: ماذا يحتاج السودان اليوم؟

السودان لا يحتاج إلى بطل جديد يخلصه، بل يحتاج إلى وعي جديد ينقذه.

يحتاج إلى رجال ونساء دولة لا يكون همهم الانفراد بالسلطة: رجال دولة يفكرون في المستقبل ومعالجة أزمات الحاضر، وليس هدفهم البقاء في السلطة.

يحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية بشروط واضحة: وهنا يجب أن نكون واضحين، المصالحة ليست حديث عاطفة ولا شعارات جوفاء، ولا صك غفران للمجرمين.

المصالحة الحقيقية لها شروط لا يمكن التنازل عنها:

مناهضة العنف والانقلابات بشكل قاطع: لا مصالحة مع من يحمل السلاح ليفرض رأيه، ولا مكان لمن يرى الانقلاب طريقاً للحكم.

الاحتكام للتداول السلمي للسلطة وخيار الشعب: الشعب هو صاحب القرار الوحيد، عبر انتخابات حرة ونزيهة، وليس عبر فوهة البندقية.

تطبيق القانون ومحاسبة المجرمين: لا مصالحة قبل العدالة. لا قبول ولا مصالحة تأتي قبل محاسبة كل من أجرم في حق الشعب السوداني وسفك دمه ونهب ماله. العدالة هي أساس المصالحة.

تفكيك كتائب العنف ودعاة التطرف: لا بد من تفكيك كل الكتائب العسكرية خارج إطار الدولة، وتجفيف منابع التطرف وخطاب الكراهية والعنف، وبناء جيش وطني واحد مهني يحمي الدستور ولا يحكم.

يحتاج إلى مشروع وطني جامع: مشروع يتجاوز القبيلة والحزب والجهة، ويضع السودان أولاً وأخيراً. مشروع يقول: السودان للجميع، ويتسع للجميع، ويبنيه الجميع.

يحتاج إلى أن نفهم أن الحكم تكليف وليس تشريفاً: أنه أمانة ثقيلة سيسأل عنها الحاكم أمام الله قبل أن يسأل عنها أمام الشعب والتاريخ.

الخاتمة: كلمة للتاريخ

سيكتب التاريخ أن السودان مر بمنعطف خطير، وأن شعبه صبر صبراً لم يصبره شعب، وأن وطنيته لم تهتز رغم كل ما مر به. وسيكتب أيضاً أن كل من جعل كرسيه أغلى من وطنه، سقط، وبقي الوطن.

السودان ليس ملكاً لأحد، السودان ملك لأهله، لأبنائه في الداخل والخارج، لأطفاله الذين يستحقون غداً أفضل.

اللهم احفظ السودان وأهله، واجمع شملهم، ووحد كلمتهم، وارفع عنهم البلاء والفتن والحروب، وردهم إلى ديارهم آمنين مطمئنين.

ولا يصح إلا الصحيح وبس

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة