أعمدة ومقالات

هل إلغاء حظر استيراد السلع يحل الأزمة الاقتصادية السودانية؟ الوهم والحقيقة

د. الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
22 أكتوبر 2026

يعتقد البعض أن قرار إلغاء حظر استيراد السلع السودانية من الخارج هو الحل السحري للأزمة الاقتصادية. وهذا وهم كبير وتسطيح مخل لقضية معقدة.

إن هذا القرار في لحظة اتخاذه لم يكن مبنياً على أي هدف اقتصادي، ولم يستند إلى دراسة موضوعية أو تخطيط اقتصادي أو سياسة اقتصادية رشيدة. فالاقتصاد لا يُدار بالقرارات المزاجية والارتجالية.

كيف يُعالج الاقتصاد؟

الأزمة الاقتصادية لا تُعالج بقرار استيراد سلعة أو حظرها. بل تُعالج بسياسات كلية متكاملة:

سياسات التوازن العام

كيفية كبح جماح التضخم

معالجة الاختلالات الهيكلية في قطاعات الاقتصاد

الاقتصاد السوداني اليوم.. اقتصاد حرب

إن السودان اليوم لا يعاني من مشكلة سلعة، بل يعاني من اقتصاد حرب:

حروب متعددة ومتنوعة

جيوش متعددة ومتنوعة يُصرف عليها المليارات

فساد واستبداد مستشري

انقسام وطني وتفتيت للمجتمع

فكيف لاقتصاد يُنفق كل موارده على الحرب والجيوش أن ينهض بقرار فتح الاستيراد؟

الوصفة الحقيقية.. وليست المسكنات

إن الوصفة الحقيقية لمعالجة الاقتصاد السوداني ليست اقتصادية فقط، بل هي وصفة سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة، خطواتها كالآتي:

أولاً: الحل السياسي هو الأساس
لا اقتصاد بدون سلام. لابد من وقف الحرب فوراً، ووقف نزيف الدم، وتحقيق سلام مستدام.

ثانياً: جيش مهني واحد
لابد من قيام جيش قومي مهني واحد، جيش يحمي الدستور ولا يحكم، بدلاً من تعدد الجيوش والمليشيات التي تلتهم ميزانية الدولة.

ثالثاً: فكفكة اقتصاد الظل
لابد من فكفكة كل الشركات التابعة للمنظومة العسكرية والأمنية وإعادتها إلى ولاية وزارة المالية. لا يمكن إصلاح اقتصاد تسيطر عليه شركات خارج الموازنة العامة.

رابعاً: سياسات اقتصادية كلية
وضع سياسات اقتصادية كلية على المدى القصير والمتوسط والطويل، أساسها رفع الكفاءة الإنتاجية.

الهدف يجب أن يتحول من مجرد إحلال الواردات إلى اقتصاد تصديري منتج. فالصادرات لا تأتي من فراغ، ولا تأتي بدون إنتاج، ولا يأتي الإنتاج بدون استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي.

فضح الجهل الاقتصادي

من يعتقد أن الفريق البرهان عندما أصدر قراره السابق بوقف استيراد السلع، والآن يصدر قراراً بفتح الاستيراد، كأنه بهذا يعالج الاقتصاد، فهو يجهل أبجديات علم الاقتصاد.

هذا ليس إصلاحاً، هذا عبث. فتح الاستيراد بدون إنتاج وبدون صادرات وبدون سياسات كلية، يعني مزيداً من استنزاف العملة الصعبة، ومزيداً من التضخم، ومزيداً من تدمير ما تبقى من الصناعة المحلية.

إن الاقتصاد السوداني لن يُعالج بفتح بوابة الاستيراد، بل بفتح بوابة السلام، وبوابة الجيش الواحد، وبوابة الدولة المدنية.

ومهما طال الزيف، فإن الحقائق الاقتصادية لا تكذب، ولا يصح إلا الصحيح.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة