الجيش السوداني والحركة الإسلامية: مسار التداخل وأزمة الدولة

الصحفية صفاء الزين
الصحفية صفاء الزين

صفــاء الزيــن
Msr.safaazain@gmail.com

الأزمة السودانية الراهنة مرتبطة بتاريخ طويل من التداخل بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية، وهو تداخل أعاد تشكيل الدولة خلال العقود الماضية في نوفمبر 1957م ومايو 1969م ويونيو 1989م ونوفمبر 2021م، وأثر بعمق في طبيعة السلطة وموقع الجيش داخل النظام السياسي.

القوات المسلحة في الدول الحديثة مؤسسة وطنية تقوم بوظيفة حماية الدولة من التهديدات الخارجية، والعمل تحت سلطة سياسية مدنية منتخبة، وهذا النموذج لم يترسخ في السودان بصورة مستقرة منذ الاستقلال، حيث ظل الجيش لاعبًا سياسيًا مباشرًا، وتدخل في السلطة عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية، وأصبح عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار الدولة.

التحول الأكثر تأثيرًا حدث مع انقلاب عام 1989م، الذي قاد إلى وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر الجيش، ذلك الانقلاب أعاد تشكيل الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وخلال تلك المرحلة جرى إدخال عناصر الحركة الإسلامية إلى مفاصل مؤثرة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وارتبطت عملية الترقي والنفوذ داخل بعض تلك المؤسسات بشبكات الولاء السياسي والتنظيمي ما عرف بـ”التنظيم الخاص” في الجيش والأجهزة النظامية.

امتد هذا التأثير لثلاثة عقود، وتكوّنت خلاله شبكات معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، هذه الشبكات تجاوزت حدود الحكومة التنفيذية، ووصلت إلى قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة، الأمر الذي جعل الفصل بين المؤسسة العسكرية والإرث السياسي للحركة الإسلامية مهمة صعبة بعد سقوط نظام عمر البشير في عام 2019م.

بعد الثورة برزت فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسياسة، المؤسسة العسكرية التي تولت إدارة المرحلة الانتقالية نشأت داخل البنية التي تشكلت خلال سنوات حكم النظام السابق، وهذا الإرث انعكس في مسار الانتقال السياسي وفي طبيعة العلاقة بين المكون العسكري والقوى المدنية.

خلال المرحلة الانتقالية برز عبد الفتاح البرهان قائدًا للمؤسسة العسكرية ورئيسًا للمجلس العسكري ومن بعده مجلس السيادة الانتقالي، قيادته جاءت في لحظة تاريخية شهدت صراعًا حادًا حول مستقبل السلطة في السودان، وموقعه داخل المؤسسة العسكرية تشكل عبر سنوات طويلة في بنية الجيش التي تطورت خلال فترة حكم النظام السابق، وهو واقع أثر في مسار العلاقة بين الجيش والقوى المدنية.

المسار السياسي اتجه لاحقًا نحو استمرار الدور السياسي المباشر للمؤسسة العسكرية، وجاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م ليعيد الجيش إلى موقع السلطة التنفيذية، ويوقف مسار الانتقال المدني الذي بدأ بعد الثورة.

التطورات السياسية اللاحقة أظهرت استمرار حضور شبكات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك بعض مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية، التنظيمات السياسية التي حكمت لفترات طويلة تعيد ترتيب حضورها عبر مؤسسات الدولة وشبكات المصالح القائمة.

في الفكر السياسي والعسكري طرح المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز فكرة أصبحت من أكثر العبارات تداولًا في تحليل الصراعات، حين قال: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، هذه الفكرة تكشف ما يحدث عندما تتداخل المؤسسة العسكرية مع مشروع سياسي، حيث تتحول القوة المسلحة إلى امتداد مباشر للصراع على السلطة داخل الدولة، وتتلاشى الحدود بين القرار العسكري والقرار السياسي، ويصبح استخدام القوة جزءًا من إدارة التوازنات السياسية.

المشهد السياسي السوداني اليوم يعكس آثار هذا التداخل بوضوح، استمرار حضور المؤسسة العسكرية في مركز السلطة يضعف قدرة المؤسسات المدنية على إدارة المرحلة السياسية، ويجعل عملية بناء الدولة أكثر تعقيدًا، لذلك يرتبط النقاش حول مستقبل السودان بصورة مباشرة بإعادة تحديد موقع الجيش داخل النظام السياسي، وحين تتحول المؤسسة العسكرية إلى لاعب سياسي دائم، تصبح الدولة نفسها ساحة للصراع على السلطة.

إن الأزمة الحالية تعكس خللًا عميقًا في بنية الدولة أكثر من كونها صراعًا عابرًا بين فاعلين سياسيين، لأن الدولة منذ الاستقلال واجهت اختلالات كبيرة في توزيع السلطة والثروة والتمثيل السياسي، والمؤسسة العسكرية تحولت تدريجيًا إلى أداة لإدارة هذه الاختلالات بالقوة، بدل معالجتها عبر نظام سياسي ديمقراطي مستقر.

ارتباط هذه البنية بمشروع سياسي ذي طابع أيديولوجي عمّق الأزمة، المؤسسة العسكرية أصبحت لاعبًا سياسيًا رئيسيًا يحمل تصورات محددة حول طبيعة الدولة والهوية والسلطة، وهذا الواقع أضعف المؤسسات المدنية وقلص قدرة النظام السياسي على التطور نحو نموذج ديمقراطي مستقر.

لذلك فإن مستقبل السودان يتوقف بدرجة كبيرة على قطع هذا الحبل السري بين العسكر والأولوجيا، وإعادة تعريف العلاقة بين الجيش والدولة، التجارب الدولية تشير إلى أن استقرار الأنظمة السياسية يعتمد على خضوع القوات المسلحة لسلطة مدنية دستورية، وفصلها عن النشاط الحزبي والاقتصادي، وبناء عقيدة عسكرية قائمة على حماية الدستور والنظام الديمقراطي.

ولأن السودان يواجه اليوم أحد أسئلته التأسيسية الكبرى، كسؤال شكل الدولة وطبيعة العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، والإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الدولة السودانية لعقود قادمة.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة