خطاب الكراهية في السودان: كيف تُصنع الهاوية بالكلمات

الصحفية صفاء الزين
الصحفية صفاء الزين

أ. صفاء الزين

ما يمر به السودان يتوهم البعض اليوم أنه صراع على السلطة أو نزاع مسلح تقليدي، ولكنه لحظة كشف تاريخي تُعرّي ما تراكم في بنية المجتمع من تصورات مشوّهة عن الذات والآخر، لأنه في أزمنة الاستقرار تعيش الأوهام بهدوء، وفي أزمنة الانهيار تُدفع إلى السطح فجأة، فتتحول من همسات خافتة إلى خطابات علنية، هنا تُختبر الدولة، ويُختبر الضمير الجمعي: كيف يرى الناس بعضهم، من يُعدّ أهلًا للوطن، ومن يُدفع خارجه رمزيًا قبل أن يُدفع فعليًا.
التاريخ يوضح أن العنف لا يبدأ بالسلاح، إنما يبدأ بإعادة توصيف البشر، حين يُعاد تقديم جماعة بوصفها عبئًا أو تهديدًا، يصبح من السهل تبرير إقصائها، هذه الآلية تكررت في تجارب كثيرة، الكوارث الكبرى لم تولد من لحظة انفجار مفاجئ، جاءت نتيجة تراكم طويل من اللغة التي مهّدت لها، الكلمات التي تبدو بسيطة اليوم تتحول في سياق آخر إلى أساس نفسي لجرائم الغد.
يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: “حيث توجد سلطة، يوجد إنتاج للحقيقة”، هذه العبارة تكشف جانبًا عميقًا من المشكلة، فالخطاب لا يعكس الواقع فقط، ولكنه يساهم في تشكيله، وحين تسيطر لغة معينة على المجال العام، فإنها تعيد تعريف ما يُعتبر طبيعيًا وما يُعتبر شاذًا، من يستحق التعاطف، ومن يُنظر إليه كخطر، هنا تصبح الكراهية جزءًا من “الحقيقة” المتداولة.
في بلادنا نجد أن هذه العملية لها جذور ممتدة، لسنوات طويلة تشكلت فيها صورة غير متكافئة عن مكونات المجتمع داخل الإعلام والتعليم والخطاب العام والفلكلور، لأن بعض الفئات ارتبطت في المخيال بالمركز والشرعية، بينما جرى ربط فئات أخرى بالهامش أو الفوضى أو الاضطراب وحتى العبودية وقابلية الاسترقاق، هذه الصور لم تبقَ داخل اللغة، ولكنها تسربت إلى السياسات، وإلى توزيع الفرص، وإلى طريقة تعامل المؤسسات مع المواطنين؛ وهذا ما نشهد ثمراته اليوم من ظلم تنموي وتهميش ووصمات.
لذلك عندما ينشأ الفرد داخل هذا السياق، يتعلم دون وعي أن هناك ترتيبًا غير معلن بين الناس، هذا الترتيب لا يحتاج إلى نص قانوني، يظهر في التفاصيل اليومية: من يُسمع صوته، من يُؤخذ على محمل الجد، من يُمنح الثقة، من يُحاط بالشك، هكذا تتحول الفكرة إلى ممارسة، وتتحول الممارسة إلى واقع مستقر، وصبح الاحتمال تنميطًا.
خطاب الكراهية لا يظهر في صورته الصريحة منذ البداية، إلا أنه يتحرك عبر مستويات خفية، يبدأ بتلميح خفيف، بإشارة، بتصنيف بسيط، وربما حتى بمزحة ونكتة من نكات الجماعات المسرحية السمجة، ومع التكرار تكتسب هذه الإشارات قوة، تتحول إلى قناعات راسخة، بعدها يصبح من الممكن اتخاذ خطوات أكثر حدة دون مقاومة كبيرة، هذه العملية التدريجية تمنح الخطاب خطورته.
الصور النمطية تلعب دورًا مركزيًا في هذا السياق، حين تُختزل جماعة كاملة في صفات محددة، ويتم نزع فرديتها، والإنسان لا يُرى كتجربة خاصة، ولكنه يُرى كامتداد لصورة جاهزة، هذه الصورة تختصره، تحاصره، تحدد مسبقًا كيف يجب أن يُفهم، في هذه اللحظة يصبح من السهل التعامل معه على أساس هذه الصورة، لا على أساس إنسانيته.
هذه الآلية لا تتوقف عند مستوى الوعي، وإنما تتعداها وتمتد إلى السياسات المعتدية، فتمثر التفاوت في الخدمات، ضعف التمثيل، محدودية الفرص، وكلها تجد مبررًا ضمنيًا داخل هذه الرؤية، والمجتمع لا يرى هذه الفوارق كظلم، وإنما يراها كأمر طبيعي، وهكذا يُعاد إنتاج التمييز دون صدام مباشر.
في لحظات الأزمات، تتكثف هذه التراكمات، النزوح، الفقر، الانهيار الاقتصادي، كلها تضغط على المجتمع وتكشف بنيته العميقة، حين يصل النازح إلى منطقة جديدة، ولا يُنظر إليه دائمًا كإنسان فقد كل شيء، يُنظر إليه أحيانًا كعنصر غريب، هذا التحول في النظرة يعكس تاريخًا طويلًا من التصورات، وهو ما نشهده اليوم من صيحات ولعنات تلاحق نازحي بعض المناطق ووصفهم بأقذع الأوصاف وحرمانهم من صكوك المواطنة المتساوية.
إن الأفكار التي تدعم هذا السلوك ليست حديثة، لأن ربط القيمة الإنسانية بالملامح أو الأصل الجغرافي فكرة قديمة فقدت أساسها العلمي وتعدت مستوياتها العملية، والدراسات الحديثة تؤكد أن الفروق بين البشر لا تبرر أي تصنيف أخلاقي أو حضاري، التنوع جزء من طبيعة الإنسان، لا علامة نقص.
رغم ذلك تستمر هذه الأفكار المتخلفة والسبب لا يتعلق بالعلم، يتعلق بوظيفتها داخل المجتمع، إذن أنها تمنح البعض شعورًا بالتفوق، وتخلق إحساسًا بالتمايز، تبرر الامتيازات القائمة، وهذه الوظيفة تجعلها قادرة على البقاء حتى في مواجهة الحقائق.
المشكلة أن هذا النمط من التفكير يضعف المجتمع، فحين تُبنى العلاقات على الشك، تتآكل الثقة، كل اختلاف يُقرأ كتهديد، وكل تنوع يُنظر إليه بحذر، وفي هذه البيئة يصبح التعايش هشًا، وتتحول أي أزمة إلى احتمال صراع.
هذا يظهر في طريقة التعامل مع الفقر والنزوح، لأن الأحياء التي تنشأ نتيجة ظروف قاسية تُعامل أحيانًا كتشوه في المشهد، والتركيز ينصب على الشكل الخارجي، على تنظيم المكان، مع تجاهل الأسباب التي أدت إلى وجود هذه الأحياء، والنتيجة أن المشكلة تُنقل من مكان إلى آخر دون حل.
التعامل مع النتائج دون معالجة الجذور يخلق دائرة مغلقة، الفقر يستمر، النزوح يتكرر، التهميش يتعمق، السياسات تتحول إلى ردود فعل مؤقتة، لا إلى حلول حقيقية، حينئذ يصبح التخطيط وسيلة لإخفاء الأزمة.
الدولة التي تجد نفسها داخل هذا التناقض، دورها يفترض ضمان الحقوق، حين تتأثر بالتصورات الاجتماعية تفقد هذا الدور، فيها المواطن لا يُعامل وفق القانون فقط، ولكنه يُعامل وفق صورته في المخيال العام، وهنا يختل ميزان العدالة.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما الذي يجمع الناس داخل وطن واحد، إذا كان الرابط قائمًا على المساواة فإن أي خطاب يقسم الناس إلى درجات يهدد هذا الرابط، وإذا كان قائمًا على الامتياز فإن الاستقرار يصبح مؤقتًا.
التجارب التاريخية تشير إلى أن المجتمعات التي تعتمد على الإقصاء تواجه أزمات متكررة، وأن التفاوت يولد احتقانًا، والاحتقان يتحول إلى صراع، لذلك فإن الحل يرتبط بإعادة التوازن، الاعتراف بالتنوع، توزيع الفرص بعدل، بناء مؤسسات قوية، هذه عناصر أساسية للاستقرار.
وهذه المهمة تزداد إلحاحًا في بلاد كبلادنا المأزمة، لأن التحدي لا يقتصر على إنهاء الحرب، فهو يتجاوز حدود المعقول ويمتد إلى إعادة تعريف المواطنة، وتصور يقوم على الحقوق المتساوية، لا على الانتماءات الضيقة، وهذا التحول يتطلب مراجعة عميقة واجتثاث لكافة أطر الاستعلاء التي تستولد الاستعداء.
والوعي يمثل نقطة البداية، ويبدأ بمراجعة الأفكار السائدة، وتفكيك الصور النمطية، وإدراك أن ما يبدو بديهيًا قد يكون نتاج تاريخ من التحيز، وهذه الخطوة تفتح المجال لتغيير أوسع.
وهنا تلعب اللغة دورًا محوريًا حاسمًا، فالكلمات تصنع المعاني، وتؤثر في السلوك، وعندما تُستخدم لوصف جماعة بطريقة سلبية متكررة فإنها تساهم في تشكيل نظرة المجتمع لها، تغيير اللغة خطوة أساسية في تغيير الواقع.
وتكون وقتئذ المسؤولية مشتركة، الإعلام، التعليم، النخب، رجال الدين وقادة المجتمع المدني يشاركون في تشكيل الوعي، بإعادة النظر في الرسائل اليومية التي يمكن أن تحدث فرقًا، وتقديم صور أكثر توازنًا، تحقق الاعتراف بالتنوع، والابتعاد عن التعميم.
لذلك لا يمكن بناء مجتمع مستقر دون أساس أخلاقي واضح، هذا الأساس يقوم على الاعتراف المتبادل بآدمية الفرد وحقوقه المتساوية، وكل إنسان يُرى كقيمة قائمة بذاتها، وحين يغيب هذا المبدأ أو يُغيب تبدأ القيم الأخرى في التآكل.
في العمق الأبعد من كل ذلك يظهر سؤال أخطر من السياسة نفسها: كيف يتحول مجتمع كامل إلى حالة تقبل فيها الفكرة قبل الفعل، واللغة قبل السلوك، والتصنيف قبل العدالة، هنا لا يعود الأمر متعلقًا بخطاب سياسي أو رأي فردي، وإنما ببنية إدراك جماعي تُعاد صياغتها يوميًا دون وعي مباشر.
هذه المجتمعات لا تنزلق نحو الكراهية دفعة واحدة، وإنما تنزلق عبر الاعتياد، وما كان يُعد صادمًا في لحظة ما يصبح مألوفًا في لحظة لاحقة، ثم يتحول المألوف إلى قاعدة غير مكتوبة (عُرف) وعادات وتقاليد، وفي هذه المسافة البطيئة تتغير الأخلاق دون إعلان، ويتبدل معيار الإنسان دون قرار رسمي، وأخطر ما في هذا التحول أنه يحدث داخل اللغة اليومية، داخل التعليقات، داخل توصيفات تبدو بسيطة لكنها تحمل شحنة ثقيلة من الإقصاء.
وحين تتراكم هذه الشحنات، يتغير معنى الآخر، فلا يعود الآخر شخصًا، يظهر كفكرة جاهزة: تهديد محتمل، عبئًا اجتماعيًا، جسمًا زائدًا عن الحاجة، هذا التحول الذهني يسبق دائمًا كل أشكال العنف الكبرى، لأنه ينزع الحاجز الأول: حاجز التعاطف.
في هذه المرحلة، لا يكون المطلوب إقناع الناس بالكراهية، لأن الكراهية تكون قد تشكّلت بالفعل بصورة ناعمة، والمطلوب فقط هو توجيهها، وهنا يصبح الخطاب السياسي أو الإعلامي أو الاجتماعي قادرًا على إعادة توظيف هذا المخزون العاطفي بسهولة.
ويمكن فهم هذه الحالة باعتبارها انهيارًا في التعدد الإنساني، ذلك المفهوم الذي يجعل من الاختلاف مصدر ثراء لا مصدر تهديد، وحين يُستبدل التعدد بالتصنيف يفقد المجتمع قدرته على رؤية الإنسان خارج القوالب، وهنا تبدأ الكارثة الأخلاقية الحقيقية.
في هذه اللحظة تحديدًا، يصبح الدفاع عن الإنسان دفاعًا عن المجتمع نفسه، لا عن فئة بعينها، لأن أي نظام اجتماعي يقبل تقسيم أفراده إلى درجات إنسانية هو نظام يحمل في داخله قابلية التفكك، حتى إن بدا مستقرًا في الظاهر.
السودان ونخبه وساسته ورجال ونساء مجتمعه المدني وإداراته الأهلية اليوم أمام هذا الامتحان العميق، امتحان لا يتعلق فقط بإدارة الصراع، ولكن بإعادة تعريف معنى الانتماء نفسه، فهل الانتماء حق إنساني شامل، أم امتياز يُمنح ويُسحب وفق التصورات الضيقة والانتماءات الأيدولوجية والانحيازات الإثنية والاصطفافات المناطقية، الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد شكل الدولة فقط، بل تحدد شكل المستقبل كله.
ومن هنا تأتي خطورة خطاب الكراهية، لأنه يعيد تشكيل الخريطة الأخلاقية والاثنوغرافية للمجتمع، ويجعل ما هو استثناء يبدو قاعدة، وما هو ظلم يبدو حماية، وما هو إقصاء يبدو ضرورة، في هذه المفارقة تبدأ الهاوية التي تُصنع بالكلمات.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة