كهربجيةُ الظلماتِ قادمون؟!

الجميل الفاضل
الجميل الفاضل

الجميل الفاضل يكتب:

حين أنشد المتنبي:
“ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً
كنقص القادرين على التمام”
ظنّ كثيرون أن النقصَ عجزٌ عابر، وأنه مجرد خللٍ في الإرادة أو قصورٍ في القدرة.
لكنهم لم ينتبهوا إلى سنّةٍ أودعها الله في طبائع الأشياء؛ فالأرض لا تستقبل المطر إلا بعد أن تُقلب تربتها، والبذور لا تُفجّر أسرارها إلا حين تُدفن في ظلمات التراب، والنجوم لا تُولد إلا من انفجارٍ عظيم.
هكذا تمضي الأوطان أيضاً.
فما من شعوبٍ كُتب لها أن تعانق ذروة مجدها إلا ومرت قبل ذلك بوادي الفقد، وسارت حافيةً فوق جمر المحن، وشربت من كؤوس الانكسار حتى الثمالة.
إن الزلزلة لا تأتي دائماً لتسقط الجدران، لكنها كثيراً ما تأتي لتوقظ ما نام تحت الأنقاض من كنوز.
وها أنا أكاد أسمع الآن، وقع أقدامٍ تتردد من سراديب بعيدة.
أكاد أرى وجوهاً تتخلق في رحم المعاناة، وجيلاً يتجمع قطرةً قطرة، كما يتجمع النور مع تنفس الصبح قبل انبثاقه.
إنهم “كهربجية الظلمات”.
أولئك الذين بشر بهم الشعر قبل أن تبصرهم العيون.
يتشكلون في المنافي، وفي مخيمات النزوح، وعلى أرصفة الانتظار الطويل، وفي الشوارع الثائرة، وفي وجع الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن ولم يفقدن يقينهن بالحياة.
يتخلقون كما تتخلق اللآلئ في أعماق البحار، وكما يخرج الذهب لامعا من أتون النار.
يأتون حاملين اسماً واحداً لا غير: “السودان”.
من بين هذا الدمار الذي يغطي الجغرافيا، وهذا الشتات الذي بعثر الناس في أصقاع الأرض، تدور الآن أعظم عملية إعادة تشكيل عرفتها البلاد منذ فجر التاريخ.
إنها ساعة صناعة “جيل التمام”.
الجيل الذي لم تصنعه القصور، لكن صنعته المحن.
ولم تربّه الوفرة، لكنه نبت من الحاجة.
ولم تمنحه الحياة أجنحةً مجانية، بل أجبرته على أن ينحت أجنحته علي صخور الألم.
جيلٌ قُدّر له أن يكون وارثاً لا لمجدٍ غابر فحسب، لكن لرسالةٍ مؤجلة منذ قرون.
جيلٌ سيفتح الخزائن التي أودع الله أقواتها في هذه الأرض منذ أن قال للأرض كوني فكانت.
هم ليسوا طيفاً سياسياً عابراً.
ولا حزباً جديداً يضاف إلى قائمة الأحزاب.
ولا نخبةً أخرى تتبادل المواقع فوق خرائط العجز.
إنهم طلائع طورٍ جديد من الوعي الإنساني.
“طلائع أحرار البشرية”.
أولئك الذين سيوقظون في دمائهم إرث كرمة، وهيبة مروي، وشموخ ترهاقا، لا بوصفها آثاراً للسياح، لكن باعتبارها طاقةً روحية كامنة تنتظر ساعة الاستدعاء.
وأول ما يميز هذا الجيل، “جيل ديسمبر”، أنه تحرر من أوثان القبيلة، وأصنام الجهوية، وسجون الألوان، وأقفاص الأيديولوجيا.
لقد صهرته النيران حتى تخلص من خبثه جله أو كله.
وساقته المحنة حتى لفظ مرارة العصبية.
فخرج منها إنساناً يرى السودان كله وطناً واحداً، ويرى التنوع نعمةً لا نقمة، ويرى الاختلاف ثراءً لا لعنة.
جيلٌ غسلته الابتلاءات الي أن استعاد فطرته الأولى.
فأصبح مؤهلاً لقيادة نفسه قبل أن يفكر في قيادة غيره.
ولذلك لم يكن وصفهم بـ”أحرار البشرية” وصفاً عاطفياً أو شعاراً إنشائياً.
فالحرية حين تُنتزع من بين أنياب المعاناة لا تعود فكرةً تُقال، إنما تصبح شفرةً محفورةً في الروح.
وتصبح الكرامة جزءاً من التكوين الداخلي للإنسان.
ليغدو حينها الاستلاب مستحيلاً.
هؤلاء هم أبناء الحرية.
تلك الذرية التي ورثت الأنفة من أجدادها كما يرث النهر مجراه، لا يبيعون إرادتهم،
ولا يرهنون أرضهم، ولا ينتظرون خلاصاً مستورداً من وراء البحار.
لأنهم أدركوا أن بركات الأرض لا تُفتح إلا لمن حرروا أرواحهم أولاً.
يجتمع في تكوينهم سرّان عظيمان:
روحانية كوش، وعقلانية بيرمنغهام.
عمقٌ روحيٌ ضاربٌ في تربة التاريخ.
وعمقٌ معرفيٌ متصلٌ بأحدث ما بلغته البشرية من علوم وتقنيات.
إنه جيل يحمل المفتاحين معاً:
مفتاح السماء، ومفتاح الأرض.
جيل يعرف كيف يناجي ربه في خلوته.
ويعرف كيف يبني المصانع في جلوته.
يفهم لغة البرمجيات كما يفهم لغة القيم.
ويجيد استخراج الحديد والذهب والنفط كما يجيد استخراج المعانى من قلب التجربة الإنسانية.
ولذلك فإن معركته ليست معركة هدم.
فهو جيل قد سئم في الحقيقة الهدم، وشبع من رؤية الخرائب.
إنما معركته هي معركة بناء.
معركة التمام والكمال.
معركة العمارة في مقابل الدمار.
فالعبقرية التي رفعت “الدفوفا” في كرمة، وشيدت أهرامات مروي، لا تزال حيةً في الجينات تنتظر من يوقظها.
ولهذا سيحمل جيل التمام في يده اليمنى قلم المعرفة والتقنية، وفي يده اليسرى معاول البناء والعمران.
ليبني سوداناً جديداً.

سوداناً لا يعيش على ذكريات المجد، بل يصنع مجده، ومدنه الذكية، ومؤسساته القوية، وإدارته العادلة.
ودوره الإفريقي والإنساني بحجم ما أودعه الخالق فيه من أسرار.
إن جيل التمام ليس حلماً هارباً من قسوة الواقع.
ولا تعويضاً نفسياً عن وجع الحاضر.
إنه استحقاقٌ تاريخي.
وحتميةٌ كونية.
فالحضارات حين تستنفد رصيدها الأخلاقي تبدأ رحلة الأفول.
أما السودان، ذلك الوطن المؤجل في دفاتر التاريخ، فما تزال خزائنه الروحية والمادية تنتظر ساعة الفتح.
تنتظر فقط أن تكتمل شروط الصلاح في النفوس.
وأن ينضج هذا الجيل على نار الابتلاء، الي ان تدق ساعة الميعاد، ويزاح الستار.
ليخرج من قلب الرماد جيلٌ يشبه العنقاء، جيلٌ يعلن انتهاء زمن الاستضعاف.
وبداية زمن الريادة.
عندها لن يُنظر إلى السودان باعتباره بلداً يبحث عن حلول لأزماته.
بل باعتباره أحد مفاتيح استقرار العالم نفسه.
وأحد المستودعات الكبرى للحلم الإنساني.
وعندها سيصبح ما رآه الشاعر محجوب شريف حقيقةً تمشي على الأرض:
“ويطلع حتى من قلب الحجر والصي
شجرٌ متشابك الهامات
وجيلاً جاي حلو الشهد…”
ذلك الجيل الذي وصفه بأنه:
“هدّامين قلاع الخوف
نقّاشين جدار الصمت
نسّاجين خيوط الشمس
كهربجية الظلمات.”
وهو ذات الجيل الذي لمح الأستاذ محمود محمد طه طلائعه في الأفق حين قال:
“يستطيع السودان أن يقوم على سند من شباب قوي الأسر، قوي الأخلاق، قوي العزم على مناصرة الحق، في ثقة وثبات، حتى لكأنه الطود الأشم.”
وما بين بشارة الشاعر، وبصيرة المفكر، ومخاض الجغرافيا الذي نعيشه اليوم، يتخلق سودان جديد.
لا في القصور، ولا في دوائر السلطة.
بل من أعماق الألم نفسه، هناك، حيث يعمل كهربجية الظلمات بصمت.
وحيث تنسج الأقدار خيوط الفجر من قلب الليل.
وحيث يتهيأ جيل التمام ليخرج إلى العالم حاملاً رسالته الكبرى:
أن الخراب لم يكن نهاية الحكاية، لكنه كان أول آيات البداية.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة