الدين والدولة : عقد مواطنة لا سيف سلطان 2

الدكتور الأمين بلال

د/ الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
منذ الاستقلال، ظل السؤال الأصعب في السودان: ما هي علاقة الدين بالدولة؟ سؤال تحوّل مرات كثيرة من نقاش فكري إلى معركة وجودية. والنتيجة كانت واحدة: وطن منهك، وتحالف سياسي هش، وثقة متآكلة بين أبنائه.

وحدة الوطن تبدأ من المواطنة لا من المذهب
الوطن ليس ملكاً لتيار ديني ولا لفكرة علمانية متطرفة. الوطن عقد اجتماعي بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن عقيدتهم أو لونهم أو جهتهم أو ثقافتهم. أي مرجعية سياسية مستقبلية يجب أن تنطلق من هذه القاعدة الراسخة: “الناس سواسية كأسنان المشط”. فإذا كان الأساس المواطنة، سقطت ذرائع الإقصاء، وانهارت حجج التخوين، وارتفع سقف الثقة بين الجميع.

تحالفات متينة بمرجعية “قبولية كسبية تعددية”
العمل السياسي ليس غنيمة تُقتسم، بل شراكة وطنية تُبنى. لذلك نحتاج إلى مرجعية توافقية قائمة على ثلاثة أعمدة:
القبولية: ما يقبله عقل السوداني السليم وعرفه المتسامح وتجاربه التاريخية.
الكسبية: حلول “win-win” الكل يربح فيها، فلا غالب ولا مغلوب، والوطن هو الرابح الأكبر.
التعددية: الاعتراف بأن السودان فسيفساء دينية ومذهبية وثقافية لا يمكن اختزالها في لون واحد أو خطاب واحد.
بهذه المرجعية، تتحول التحالفات من “تحالف ضد” قائم على الكراهية، إلى “تحالف من أجل” قائم على بناء الوطن.

تجاوز فخ السلطة الدينية والسلطة العلمانية المتشددة
الخطر ليس في الدين، ولا في العلمانية كمفهوم إداري للدولة. الخطر الحقي في “سلطنة” أي منهما.

سلطة دينية مطلقة تفرض فهماً واحداً باسم الدين، فتُقصي الآخر وتكفّره.

وسلطة علمانية متشددة تصادر التدين وتعتبره تهمة، فتُهمّش وتُقصي.
الحل هو دولة مدنية ديمقراطية تحترم حرية التدين ولا تفرضه، وتحترم حرية الرأي ولا تُجرّمه. دولة تقف على مسافة واحدة من كل المعتقدات، وتحمي حق الجميع في الاعتقاد والتعبير.

خط أحمر: الدين خارج ساحة الصراع السياسي
النص الذي يجب أن نجمع عليه ونثبته في دستورنا ولوائحنا هو: “يُحظر الزج بالدين في الصراعات السياسية والمنصات الرسمية العامة”.
لا خطاب كراهية باسم الدين في البرلمان.
لا تكفير للخصم السياسي في المنابر.
لا استخدام للمساجد والكنائس مقراً للحشد الانتخابي أو الاستقطاب الحزبي.
الدين علاقة بين العبد وربه، والسياسة إدارة لشؤون الناس. الخلط بينهما يفسد الدين ويخرب السياسة، ويفتح أبواب الفتنة.
الخلاصة
السودان لن ينهض بمشروع إقصاء ديني، ولن ينهض بمشروع إلغاء ديني. سينهض بمشروع مواطنة متساوية.
دين تحميه الدولة، ودولة يحكمها العدل، ومواطن كامل الكرامة.
هذه هي المعادلة المتوازنة: لا دولة دينية تذبح التعددية، ولا دولة لادينية تصادر الإيمان. بل دولة لكل أبنائها، تحترم حقوقهم وخصوصياتهم، وتجعل من التعددية قوة لا ضعفاً.
التاريخ سيسجل أننا حين اخترنا المواطنة على المزايدة، اخترنا الحياة على الخراب، واخترنا السودان على الأيديولوجيا.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة