من دعاة الحرب إلى مشروع التوافق : السودان أكبر من العنف

الدكتور الأمين بلال

June/10/2026
د/ الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
لمدة ثلاث سنوات، ظل البعض داعماً صريحاً للحرب، وواقفاً مع عسكرة السياسة وتقديم البندقية على الحوار. ونحن من اليوم الأول كانت نظرتنا واضحة وثابتة : وقف الحرب، والذهاب للسلام، لأن وحدة الوطن وعدم تقسيمه والمحافظة على حقوق الجميع هي البوصلة الوحيدة.

شيطنة صوت السلام
المؤسف أن من دعوا للسلام ودفعوا ثمن موقفهم مبكراً، تمت شيطنتهم وممارسة عنف لفظي ضدهم. وُجهت لهم الأكاذيب والإشاعات، وحُكم عليهم مسبقاً دون نقاش محتوى أو مفاهيم. وكأن إشعال الحرب أسهل من إدارة الاختلاف، وكأن التخوين بديل عن الحجة.
لكن الحقيقة التي تثبتها الأيام: أصل المشكلة الوطنية ليس في الأشخاص، بل في غياب المحتوى المفاهيمي والأسس المشتركة التي تحكم الخلاف. عندما يغيب العقل، تحكم العاطفة والكراهية.

عودة للحق فضيلة
اليوم نرى بأعيننا من كانوا بالأمس أبواقاً للحرب، التحقوا بصوت السلام وأصبحوا ضد استمرارها. ونقولها بوضوح: لا عداء شخصي لنا مع أحد. موضوعنا مبادئ، لا أشخاص. من يحتكم للمبادئ والأسس الوطنية، مرحب به في صف بناء الوطن. فالقضايا الوطنية تُقاس بميزان عام ومشتركات وطنية، لا بمواقف الأمس والأفراد.

مفاهيم التوافق التي ندعو لها
لتعري دعاة الحروب والانقلابات والعنف والشيطنة، ولإيقاف نزيف الوطن، نحتاج توافقاً وطنياً مبني على 5 مفاهيم لا تقبل المساومة:

السلام خيار استراتيجي لا تكتيكي: الحرب لم تعد خياراً سياسياً، بل كارثة وطنية. السلام وحده يوقف الدم ويحفظ وحدة الأرض.

العدالة أساس الاستقرار: لا سلام بدون عدالة انتقالية. محاسبة كل من أجرم في حق الشعب بقانون عادل، دون انتقام، حتى لا تتكرر المآسي.

مؤسسات تحكم لا أفراد: بناء دولة القانون والمؤسسات هو الضمانة. مؤسسات قوية تحمي الدستور، لا أشخاص يحكمون بالأهواء.

جيش مهني قومي واحد بعيد عن السياسة: جيش بعقيدة وطنية، مهمته حماية الحدود والدستور. خروجه من السياسة والاقتصاد شرط لوحدة الوطن واستقراره.

الحكم المدني الديمقراطي والتداول السلمي: السلطة تُؤخذ بالانتخابات وتُسلم بالانتخابات. لا انقلاب، لا تمديد، لا استثناء. التداول السلمي هو الفيصل بين عهد الاستقرار وعهد الفوضى.
الخلاصة
لقد عرّت الحرب الجميع. عرّت دعاة العنف فأثبتت فشلهم، وعرّت صوت العقل فأثبتت حكمته.
السودان لا يُبنى بخطاب الكراهية والشيطنة، بل بمشروع توافق وطني يجعل السلام والعدالة والمؤسسات والجيش الواحد والحكم المدني واقعاً يحتكم له الكل.
من يجلس اليوم لطاولة المبادئ، هو وطني حقي. ومن يتمسك ببندقية الأمس، هو من يخسر الوطن غداً.
التاريخ لا يرحم، والشعب لن ينسى من وقف مع الوطن، ومن وقف مع الحرب.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة