مصانع العنف : عسكرة المدارس وتعبئة أجيال

الدكتور الأمين بلال

د/ الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
الانتهاكات لا تولد من العدم. لها جذور تُزرع، وتُسقى، ثم تُحصد. ومن أخطر الجذور التي حصدنا نتائجها اليوم: عسكرة التعليم وغرس ثقافة القتل في عقول جيل كامل.

جيل التسعينات: منتج بيئة لا قدر
الجيل الذي وُلد في التسعينات نشأ داخل نظام دمج خطاب “الجهاد” والاستشهاد في المناهج والأنشطة المدرسية بشكل مباشر. دراسات تربوية وعلم اجتماع عن السودان تؤكد أن التنشئة على مفاهيم “العدو/الصديق” المطلقة، وتبجيل العنف كأداة لحل الصراع، تؤثر مباشرة على تكوين الموقف من الاختلاف لاحقاً.
هذا ليس اتهاماً لجيل كامل. فالجيل ضحية قبل أن يكون فاعلاً. هي إشارة لبيئة تربوية أنتجت إدراكاً معيناً للوطن والآخر: وطن = حزب، وآخر = عدو.

المدرسة من فضاء مدني إلى ثكنة عسكرية
علم النفس التربوي، عبر نظرية “التعلم بالنمذجة” لألبرت باندورا، يثبت أن الأطفال والمراهقين يتعلمون بالمحاكاة. عندما تدخل شخصيات عسكرية بلباس الميدان إلى المدارس وتتحدث أمام الطلاب عن القتال كقيمة عليا، يحدث 3 كسور تربوية:

تطبيع السلاح: تتحول البندقية من أداة حرب إلى “رمز رجولة ووطنية” داخل الفصل.

ربط الهوية بالعنف: تصبح “الشهامة” = حمل السلاح، و”الجبن” = رفضه. فيختفي المعلم المدني كقدوة.

إضعاف العقل النقدي: تُستبدل ثقافة السؤال والحوار بثقافة الطاعة والتلقين العسكري.
زيارات قائد كتيبة البراء المصباح طلحة للمدارس بلباس عسكري، وحديث وزير التربية بولاية الجزيرة عن عزمه الاستعانة بمقاتلين من كتيبة البراء ودرع السودان للتدريس، هي أمثلة صارخة على تحويل المدرسة من مصنع مواطنين إلى معسكر تجنيد.

إشكالية “المقاتل-المعلم”: خطر مهني وأخلاقي ومستقبلي
اقتراح إدخال المقاتلين للتدريس يصطدم بـ 3 حقائق:

مهنياً: التدريس علم ومهارة تربوية. الشجاعة في الميدان لا تساوي كفاءة في الفصل.

أخلاقياً: المدرسة حسب اتفاقية حقوق الطفل يجب أن تكون فضاءً محايداً آمناً. تحويلها لساحة تعبئة انتهاك صريح لحق الطفل في تعليم منزوع من خطاب الكراهية.

مستقبلياً: كل الدول التي عسكرت تعليمها دفعت الثمن بعد 10-15 سنة. جيل يرى العنف كخيار أول، لا كخيار أخير. وهذا هو وقود الحروب الأهلية المتكررة.

الخلاصة: الدواء يبدأ من المدرسة
المشكلة ليست في عمر مرتكب الانتهاك 20 أو 30 سنة. المشكلة في “مصنع الأفكار” الذي صنع تصوره للعالم وهو عمره 10 سنوات.
لذلك، لا سلام دائم بدون “نزع سلاح العقول” قبل نزع سلاح اليد. والدواء الشامل يتمثل في:

تجريم عسكرة المدارس قانوناً، واعتبار دخول المسلحين للمدارس جريمة ضد الطفولة.

إعادة تأهيل المناهج على أساس المواطنة المتساوية، ثقافة السلام، واحترام التعدد.

فصل المؤسسة العسكرية تماماً عن الفضاء التعليمي. مهمة الجيش حماية الحدود، ومهمة المعلم بناء الإنسان.
خاتمة
السودان لن يشفى بالبنادق. سيشفى بالطباشير.
ما زرعناه في عقول أبناء التسعينات نحصد خيبته اليوم. وما سنزرعه في عقول أبناء 2026 سيحدد هل يكون السودان القادم وطناً للبناء أم ساحة للحرب.
فأي مدرسة نريد؟ مدرسة تُخرج جندياً أم مواطناً؟

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة