الحربوية السياسية : أزمة المبدئية وغزو المتسلقين للعمل العام:

الدكتور الأمين بلال

Jone/20/2026
د/الامين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com*
المرض: وطن بلا مبدأ.. مواقف بلا عمود فقري
أخطر ما يهدد السودان اليوم ليس السلاح، ولا الفقر، ولا حتى الحرب. أخطر ما يهدده هو “الحربوية”.
التحول السريع بلا ضمير.. من ثوري إلى منبطح، من معارض إلى مستشار، من “يسقط” إلى “يحيا”. أشخاص يتلون كالحرباء: مع الريح حيث تميل، مع السلطة حيث تمنح، مع الدولار حيث يُدفع.
هذه ليست مرونة سياسية.. هذه مبدئية مفقودة. وهذه أزمة أزمة في صلب العمل العام.
التشخيص: لماذا صار المتسلق سيد المشهد؟

غياب المبدأ = غياب الهوية
من لا مبدأ له، لا بوصلة له. يتحول من حزب لآخر، من خطاب لخطاب، من موقف لنقيضه في 24 ساعة. لا يخجل، لأنه أصلاً لا يؤمن بشيء. ولاؤه الوحيد لـ”الكرسي” و”المخصصات”.

فراغ القيم يُملأ بالانتهازية
حين تغيب المبدئية من الأحزاب والمؤسسات، يصبح الفراغ مغرياً للمتسلقين. يدخلون من باب “نحن معكم” ويخرجون من شباك “أعطوني نصيبي”. لا تاريخ يربطهم، لا فكرة يدافعون عنها، لا دماء شهداء تردعهم.

مكافأة النفاق وعقاب الثبات
في المشهد الحالي، الصادق يُتهم بـ”الغباء السياسي”، والثابت يُوصف بـ”المتحجر”. بينما المتسلق يُصفّق له: “ذكي، يعرف كيف يتأقلم”. فصار الكذب مهارة، والتلون شطارة، والمبدئية تهمة.
النتيجة: عمل عام بلا عمود فقري. مؤسسات تُبنى على الرمال، وتسقط مع أول هزة.
الحلول: كيف نُحصن العمل العام من غزو الحرباء؟
لا نريد خطباً عن “الأخلاق”. نريد تحصيناً عملياً ضد المتسلقين:

امتحان التاريخ قبل المنصب
لا يُمنح موقع قيادي إلا لمن له سجل مبدئي واضح. اسأله: أين كنت في 2013؟ ماذا قلت عن الحرب في 2023؟ ما موقفك من دم الشهداء؟
المتسلق لا يملك ذاكرة، يملك “حسابات”. فافضحوه بذاكرته.

ميثاق شرف مكتوب وعقوبات علنية
كل حزب، كل مؤسسة، كل نقابة تضع “ميثاق مبدئية” ملزم. البند الأول: من يتحول عن مبادئه الأساسية هرباً لمصلحة، يُطرد علناً ويُحرم من الترشح 10 سنوات.
الفضيحة العلنية أقوى من ألف محاضرة. المتسلق يخاف من “الوصم” أكثر من خوفه من الله.

الشفافية تقتل الحرباء
المتسلق يعيش في الظلام. يتحول في الغرف المغلقة. اكشفوا مصادر التمويل، اكشفوا الاجتماعات، اكشفوا من التقى بمن ومتى.
الشمس تُميت البكتيريا.. والشفافية تُميت الحرباء.

تمجيد الثابت لا الذكي
الإعلام والمجتمع يجب أن يحتفي بالثابت على المبدأ حتى لو خسر، لا بالمتحول الذكي حتى لو ربح.
علّموا أبناءكم أن “فلان رفض المنصب لأنه ضد قناعاته” بطولة، وأن “فلان باع مبادئه فصار وزيراً” عار.

اختبار المواقف الصعبة
لا تثق فيمن لم يُختبر. المبدأ الحقي يظهر في لحظة الخطر، لا في لحظة الغنيمة. من صمت أيام القتل، وتحول أيام المناصب.. هذا حرباء، لا قائد.
الخاتمة: الوطن لا يُبنى بالحرباء
يا سادة، البناء يحتاج طوباً ثابتاً لا ماءً متلوناً.
الحرباء قد تعيش، لكنها لا تبني بيتاً. قد تنجو، لكنها لا تصنع وطناً.
المتسلق اليوم يبيعك في اقرب ملف داخليآ وخارجيآ، وغداً يبيعهم عند آخرين ، وبعده يبيع نفسه للشيطان.
لأنه لا يؤمن إلا بنفسه.
رسالتي لكل صاحب قرار:
قبل أن تختار معك أحداً للعمل العام، اسأله سؤالاً واحداً: “ما الشيء الذي لا تبيعه؟”
إن قال “لا شيء”.. فاهرب منه. فهو سيبيعك غداً كما باع مبادئه اليوم.
المبدئية ليست ترفاً فكرياً.. هي سور الوطن.
والمتسلق ليس “سياسياً محنكاً”.. هو سرطان يأكل جسد الدولة من الداخل.
لا مكان للحرباء في بناء السودان.. نعم للثابتين.. نعم لمن لا يبيع مبدأه بمنصب.. نعم لعمل عام محصّن ضد النفاق.#ولايصح الا الصحيح وبس.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة