الناظر للشأن السوداني يلاحظ أن التحركات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الآلية الخماسية، تعلو وتيرتها مع كل تصعيد للكارثة الإنسانية. غير أنها مساعٍ رخيصة تجعل من الشعارات الرسمية حول حماية المدنيين مجرد واجهة لتسويات فوقية تُصمَّم لإدارة النزاع لا إنهائه، مما يقفز على إرادة الشعب ويعز الإفلات من العقاب.
إذ تتعامل معظم أطراف الوساطة بعقلية حصر الأزمة في مربع التهدئة الإجرائية بدلاً من معالجة جذورها الشاملة، حيث يُفترض في العواصم النائية إمكانية فرض تسويات تُرضي الأطراف الحائزة على السلاح والنخب النافذة.
والنتيجة المعتادة هي البحث الدائم عن اتفاقات سريعة تُرفع كإنجازات سياسية دون وضع ضمانات حقيقية لحماية الحقوق الأساسية، لأن هندسة المسارات بهذه الطريقة تحوّل السلام من عقد اجتماعي يُبنى على سيادة القانون والمواطنة إلى مجرد مساومة على تقاسم السلطة والنفوذ، مع تغييب متعمد للضحايا والمجتمعات المتأثرة بالحرب.
تزييف التمثيل وإعادة تدوير الفلول ولا تتوقف الخطورة عند استبعاد القوى الحية والمجتمع المدني المستقل، بل تتعداها إلى تزييف تمثيل الشارع عبر إقحام أحزاب وتنظيمات صورية. ففي سعي الوساطات لإضفاء صفة “الشمولية” على اجتماعاتها، تُفتح الأبواب أمام كيانات بلا وزن شعبي أُنشئت بدعم مباشر وتوجيه من الأجهزة الأمنية للنظام المباد لحمايته، والتي لم تُخضع لعمليات تفكيك جادة ومكتملة خلال الفترة الانتقالية السابقة.
إن مكافأة دعاة الحرب ومهندسي الانقلاب بمنحهم مقاعد التفاوض وإضفاء الشرعية على خطاباتهم الداعية للقتل والدمار لا يمثل انحرافاً أخلاقياً وسياسياً فحسب، بل يُعد تواطؤاً يعيد إنتاج ذات الشخوص والمنظومات التي قوضت التحول الانتقالي وأشعلت الحريق الحالي.
الخاتمة: السلام بلا عدالة = إعادة إنتاج الصراع إن إعادة تدوير هذه الأجسام الأمنية، والدعاة للحرب، وواجهات النظام المباد تحت مسمى “المجتمع المدني” أو “القوى السياسية” يمثل خرقاً صريحاً لمبادئ العدالة الانتقالية. وعبر هذه المساواة بين القوى المدنية الحقيقية والكيانات المصنوعة أمنياً، تمنح الآليات الدولية شرعية مجانية لمنظومات تسببت في الانتهاكات، وتتيح لفلول النظام المباد التسلل مجدداً لقطع الطريق أمام أي بناء ديمقراطي ومحاسبة جنائية.
فالسلام المستدام ليس اتفاقاً أمنياً أو سياسياً لتوزيع المناصب والضمانات السياسية، بل هو مسار موثوق يستند إلى العدالة الانتقالية، والمساءلة، وتفكيك بنية الاستبداد والفساد، وجبر ضرر الضحايا. لذلك أي تسوية تُصمم في غياب الشفافية والرقابة الشعبية ستظل افتراضية وعارية من الشرعية الأخلاقية والقانونية، ولن تؤدي إلا إلى تثبيت واقع الهشاشة وإعادة إنتاج الصراع بصور أكثر خطورة.
وعلى الوساطات الإقليمية والدولية أن تدرك أن زمن فرض التسويات الفوقية وتجاوز مبادئ حقوق الإنسان قد انتهى، وأن إيقاف النزاع لا يكون بمنح الفاعلين ودعاة الحرب الحصانة والشرعية، بل بالالتزام بالمرجعيات الحقوقية وتمكين القوى الشعبية الحقيقية من تحديد مستقبلها. فالحلول التي تُتجاهل فيها حقوق الضحايا وإرادة الشعوب لا يمكن أن تؤسس لسلام أو استقرار.