أعمدة ومقالات

هل أزمة سعر الصرف في السودان أزمة إدارة أم أزمة حرب وانهيار اقتصادي أوسع؟

( B )

بقلم السفير الصادق المقلي

تغيير العملة.. هل هو الحل؟

يقترح الدكتور الناير تغيير العملة الحالية.
قد يكون تغيير العملة أداة مناسبة في ظروف اقتصادية معينة، خصوصاً إذا كانت هناك كميات ضخمة من النقد خارج الجهاز المصرفي أو مشكلة في سلامة العملة المتداولة.
لكن السودان اليوم يعيش ظروفاً استثنائية.
الدولة منقسمة جغرافياً، وهناك مناطق واسعة خارج سيطرة الحكومة، بل إن مناطق النزاع تضم موارد اقتصادية مهمة.
فكيف يمكن تنفيذ عملية استبدال نقدي شاملة في دولة لا تملك السلطة المركزية سيطرة فعلية على كامل أراضيها؟
ثم هناك السؤال الآخر:
كم ستكلف طباعة عملة جديدة دولة تعاني أصلاً من أزمة مالية خانقة؟
والأهم:
إذا تغيرت الأوراق النقدية بينما بقيت الأسباب التي تدفع الجنيه إلى فقدان قيمته، فما الذي تغير في الاقتصاد الحقيقي؟
تغيير الورقة لا يعني تغيير الاقتصاد.
إذا ظل الإنتاج متراجعاً، والصادرات ضعيفة، والنقد الأجنبي شحيحاً، والثقة في الاقتصاد منخفضة، فإن العملة الجديدة ستواجه في النهاية الضغوط نفسها التي واجهتها العملة القديمة.
الذهب.. مورد مهم وليس عصا سحرية
لا أحد ينكر أن الذهب يمكن أن يكون أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان.
وإذا كانت أرقام الإنتاج والتصدير المتداولة صحيحة، فإن فقدان جزء كبير من حصيلة الذهب عبر التهريب يمثل خسارة اقتصادية ضخمة.
لكن تحويل الذهب إلى «حل للأزمة الاقتصادية» يحتاج إلى أكثر من قرار إداري.
نحتاج إلى إنتاج، وشراء رسمي، ونظام مصرفي فعال، وتأمين ونقل، ومنافذ تصدير، وقدرة للدولة على بسط سلطتها على مناطق الإنتاج والمنافذ.
وفي ظل الحرب والانقسام الجغرافي، تصبح كل هذه المهام أكثر صعوبة.
لذلك فإن مكافحة تهريب الذهب جزء من الحل، لكنها ليست الحل كله.
وإذا أردت أن تقتل قضية.. كوّن لها لجنة
أما الدعوة إلى تشكيل لجنة طوارئ تكون في حالة انعقاد 24 ساعة لمراقبة تحركات تجار العملة ومهربي الذهب، فهي تعيدنا إلى المثل السوداني البليغ:
«إذا أردت أن تقتل قضية، كوّن لها لجنة.»
المشكلة ليست في وجود اللجنة من حيث المبدأ.
المشكلة أن تتحول اللجنة إلى بديل عن السياسة الاقتصادية.
فالاقتصاد لا يتعافى بمجرد مراقبة السوق، وإنما عندما تتحسن أساسيات الاقتصاد التي تحرك السوق.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يجيب عنه أي تشخيص اقتصادي للأزمة الحالية هو:
من أين سيأتي الدولار؟

من أين سيأتي إذا كان الإنتاج متراجعاً؟
ومن أين سيأتي إذا كان الصادر متعطلاً؟
ومن أين سيأتي إذا كان الاستثمار الأجنبي متوقفاً؟
ومن أين سيأتي إذا كانت تحويلات المغتربين لا تجد البيئة المصرفية المناسبة؟
ومن أين سيأتي إذا كانت الدولة نفسها لا تسيطر على جزء كبير من مواردها ومنافذها؟
هنا، في رأيي، تكمن المشكلة الأساسية.

ليس كل ارتفاع في

سعر الدولار سببه تاجر عملة، وليس كل أزمة في سوق الصرف سببها خلل إداري.
هناك سوق يتحرك وفق العرض والطلب، وهناك اقتصاد حقيقي يقف خلف هذا السوق.
وإذا انهار الاقتصاد الحقيقي، فلن تستطيع الإجراءات الإدارية وحدها إنقاذ سعر الصرف.
ولذلك فإن اختزال الأزمة الاقتصادية السودانية الحالية في «خلل إداري» يشبه محاولة علاج الحمى دون البحث عن مصدرها.
الحرب هي العامل الأكبر الذي ضرب الاقتصاد السوداني، وما نتج عنها من انهيار الإنتاج والصادرات والاستثمار والعلاقات الاقتصادية والمالية الخارجية وشح النقد الأجنبي.
أما الخلل الإداري والتهريب والمضاربة وسوء إدارة الموارد، فهي عوامل تزيد الأزمة سوءاً، وينبغي معالجتها، لكنها لا تفسر وحدها هذا الانفلات التاريخي في سعر الصرف.

وهنا تأتي تجربة الفترة الانتقالية لتطرح سؤالاً مهماً جداً:
ماذا حدث لسعر الصرف عندما تحسن الأمن والاستقرار، وانفتح السودان على المجتمع الدولي، وعادت التحويلات والاستثمارات وتدفقات الدعم، واستعاد الاقتصاد شيئاً من دورة الإنتاج؟
هذه ستكون ان شاء الله موضوع الحلقة الثانية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة