أكان يلزم أن تبلغ النار تخوم مكة كي نستعيد معنى حرمة الدم؟
أكان يلزم أن تستيقظ المنطقة على خبر طائرة مسيّرة تقترب من فضاء المدينة التي يتجه إليها أكثر من ملياري مسلم في صلاتهم، كي نسأل أنفسنا عن المسافة التي قطعناها جميعًا داخل طريق الحرب؟
وأكان يلزم أن نضع أمام مخيلتنا الصورة المروعة: الكعبة، حجراً إثر حجر، تحت احتمالات صراع صنعته حسابات الدول والجيوش والجماعات، كي نتذكر أن الإنسان الذي يسقط في صنعاء، أو غزة، أو الخرطوم، أو طهران، أو الرياض، يحمل هو الآخر حرمة أودعها الله فيه قبل أن تمنحه السياسة اسم الحليف أو الخصم؟
في 15 سبتمبر 2026 أعلنت السعودية اعتراض مسيّرة جنوب مكة، وقالت إن الحوثيين أطلقوها باتجاه المدينة المقدسة. الحركة الحوثية أنكرت استهداف مكة. ويبقى، وسط هذا التباين حول الهدف المقصود، أمر يصعب تجاوزه: اتساع رقعة القتال حتى صار المجال المحيط بأقدس بقاع المسلمين جزءًا من حسابات الإنذار والدفاع الجوي. سبقت ذلك ضربات طالت مدنًا ومنشآت طاقة سعودية، وتعاظمت المواجهة حول البحر الأحمر وباب المندب.
إدانة الاعتداء على المملكة، وعلى مدنها وسكانها ومنشآتها، موقف أخلاقي واضح. وقدسية مكة تضيف إلى الواقعة معنى تتجاوز دائرته الحدود السعودية. الأزهر عبّر عن ذلك بصورة صريحة، معتبرًا تعريض المدينة المقدسة للخطر مساسًا بحرمة تخص الأمة الإسلامية بأسرها.
غير أن المأساة تحمل سؤالًا أعمق من حدود الإدانة.
في حجة الوداع وقف النبي محمد ﷺ في مكة وقال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». الحديث ثابت في صحيح البخاري. وقد وضع النبي ﷺ الدم والمال والعِرض داخل ميزان واحد مع حرمة مكة والشهر واليوم المقدس.
هذه الجملة النبوية تقلب زاوية النظر إلى أزمات الإقليم كلها.
فقدسية مكة ينبغي أن توقظ فينا قدسية الإنسان، عوض أن تصبح حرمة المكان سببًا لتذكر حرمة الإنسان بعد سقوط عشرات الآلاف منه.
من هذا الموضع تبدأ المحاسبة الأخلاقية الكبرى: ماذا صنعت دول المنطقة طوال السنوات الماضية كي تمنع وصول النار إلى هذه المرحلة؟
المملكة أمام مرآة اللحظة
السعودية صاحبة وزن ديني واقتصادي وسياسي يجعل ما يصيبها مختلفًا في أثره عن أزمة حدودية محدودة. وهي تحمل كذلك قدرة على تشكيل مسارات التهدئة الإقليمية تتجاوز قدرتها العسكرية وحدها.
وقد أعادت الرياض وطهران علاقاتهما الدبلوماسية في اتفاق بكين خلال مارس 2023، عقب جولات استضافها العراق وعُمان. نص الاتفاق على استئناف العلاقات واحترام سيادة الدول والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية. تلك اللحظة كانت تحمل بذرة أوسع مما تحقق منها لاحقًا.
السؤال الذي تستحقه اللحظة الراهنة يدور حول المسافة بين المصالحة الدبلوماسية والمصالحة الأمنية العميقة.
إعادة السفارات تعالج مستوى من الخصومة. أما الصراع الذي يمتد عبر اليمن والعراق ولبنان والبحر الأحمر والخليج، فيحتاج صيغة تتناول البنية التي تنتج المواجهة: الوكلاء، السلاح، المخاوف الأمنية، الممرات البحرية، الخطاب المذهبي، وحدود النفوذ المتبادل.
ربما كانت المنطقة تحتاج منذ اتفاق بكين إلى ما يمكن تسميته صلح المصالح الكبرى بين الرياض وطهران: تفاهم مكتوب حول أمن الخليج والبحر الأحمر، وقواعد اشتباك معلنة، وآلية اتصال فوري في الأزمات، وترتيبات حول الجماعات المسلحة، وضمانات متبادلة بشأن المنشآت المدنية والطاقة والمقدسات.
الصلح السني-الشيعي في هذا التصور أوسع من مصافحة سياسية بين حكومتين. إنه تفكيك تدريجي لذاكرة خوف تراكمت عبر عقود، وإخراج المذهب من وظيفة التعبئة الجيوسياسية. تبدأ الدولة الاتفاق الأمني، ويتبعها علماء الدين والمؤسسات الأكاديمية والمجتمعات المدنية والإعلام في معالجة البنية الثقافية التي تعيد إنتاج الشك المتبادل.
المفارقة أن الرياض نفسها طلبت، وفق ما نقلته رويترز في 17 سبتمبر، مساعدة بكين في حث طهران على استخدام نفوذها لكبح الحوثيين. الصين، التي ساعدت في مصالحة 2023، عادت إلى المشهد مرة أخرى. هذه الواقعة تمنح سؤال المصالحة معنى عمليًا جدًا: ما دامت الحاجة إلى قناة مع طهران تظهر عند كل انفجار كبير، فربما تكون المؤسسة الدائمة لهذه القناة أكثر قيمة من استدعائها تحت ضغط الصواريخ.
من أحلاف الردع إلى هندسة المصالح
وقعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026 اتفاق مكة للدفاع المشترك، ونص على اعتبار الاعتداء المسلح على أي عضو اعتداءً على الجميع. ثم بدأت الدول الثلاث بناء هياكل مؤسسية واتصالات عسكرية مرتبطة به.
لهذه الصيغة منطق أمني مفهوم وسط إقليم تتكاثر فيه الصواريخ والمسيّرات.
وتبقى أمامها معضلة استراتيجية: الردع قد يمنع الخصم من الإقدام، وقد يدفعه كذلك إلى بناء ردع مقابل. ومع تراكم الأحلاف يصبح الشرق الأوسط شبكة دوائر أمنية متقابلة، وكل دائرة ترى الأخرى مصدر تهديد يبرر مزيدًا من التسليح.
أفق آخر يستحق الدراسة: أن تتحول طاقة الرياض من إنشاء دوائر دفاعية متقاربة سياسيًا ومذهبيًا إلى رعاية مائدة أمن إقليمي أوسع.
مائدة تجمع العرب وتركيا وإيران، وتمنح عُمان والعراق أدوار الوساطة، وتستفيد من ثقل مصر، وتضع البحر الأحمر والخليج واليمن والعراق وسوريا ولبنان ضمن خريطة أمن مترابطة.
الحوار العربي-التركي داخل هذا التصور يكتسب أهمية خاصة. تركيا تملك وزنًا عسكريًا، وصناعة دفاعية متقدمة، وعلاقات متشابكة مع الخليج والعراق وسوريا وإيران وأوروبا. إدخال أنقرة في هندسة إقليمية قائمة على المصالح الاقتصادية والممرات والطاقة وإعادة البناء قد يفتح مجالًا أوسع من وظيفة التحالف العسكري.
جوهر الفكرة بسيط: الأمن الذي يحتاج عدوًا دائمًا يبقى أسير عدوه؛ والأمن المبني على مصالح مشتركة يجعل كلفة الحرب أعلى من عائدها.
أين يستطيع محمد بن سلمان أن يضع بصمته؟
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حاضر بصورة مباشرة في الملفات الإقليمية الكبرى، وأظهرت الأزمة الحالية استمرار اتصالاته مع قيادات المنطقة والولايات المتحدة حول أمن البحر الأحمر والتصعيد اليمني. اجتمع في 14 سبتمبر بقائد القيادة المركزية الأميركية، وناقش قبل ذلك بيوم مع القيادة المصرية أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
لهذا المستوى من الدبلوماسية ميزة مهمة: بعض الأزمات تحتاج قرارًا سياسيًا يتجاوز قدرة الأجهزة الحكومية التقليدية على تفكيك التناقضات المتراكمة بين المؤسسات والملفات.
الاتصال المباشر بين القادة يصبح ذا قيمة خاصة في الشرق الأوسط لأن ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد والمذهب والسلاح متداخلة بدرجة تجعل توزيعها على إدارات منفصلة سببًا في فقدان الصورة الكلية.
توجد أمام القيادة السعودية، وفق هذا المنظور، مساحة تاريخية لدور مختلف: رعاية سلسلة مصالحات مترابطة، عوض الاكتفاء بإدارة كل أزمة منفردة بعد انفجارها.
مصالحة سعودية-إيرانية أعمق.
حوار عربي-تركي مؤسسي.
تسوية يمنية تخرج اليمن من وظيفة الجبهة المتقدمة.
تفاهم حول أمن البحر الأحمر.
مسار إقليمي يخفف عسكرة العلاقات بين الدول.
وإطار يرسخ قاعدة شديدة الأهمية: أموال المنطقة ينبغي أن تمول الحياة وإعادة البناء أكثر مما تمول بنادق الوكلاء.
حياد الوسيط قوة أمنية
ربما يكون أكثر ما تحتاجه المنطقة خلال المرحلة المقبلة استعادة مفهوم الدولة الوسيطة ذات النفوذ.
الوسيط القوي يحتاج ثقة المتخاصمين. وهذه الثقة تتآكل كلما ظهر المال أو السلاح أو الخطاب الرسمي قريبًا من طرف مقاتل.
حتى الكلمة المحسوبة في لحظة حرب قد تتحول، لدى جمهور متوتر، إلى إشارة اصطفاف. لهذا يصبح ضبط اللغة جزءًا من منظومة الأمن نفسها.
يمكن للدولة ذات الوزن السعودي أن تجمع بين الدفاع الصارم عن أراضيها وبين مسافة سياسية محسوبة من حروب الآخرين. هذه المعادلة تمنحها قدرة أعلى على فتح الأبواب المغلقة، وتقلل فرص انتقال الحروب إلى أراضيها.
وقد كشفت حرب الإقليم خلال 2026 حجم الترابط بين الجبهات. الصراع مع إيران تمدد إلى خطوط الطاقة والممرات البحرية، والحوثيون عادوا إلى استهداف السعودية، وحركة السفن في هرمز وباب المندب تراجعت، وأصبحت منشآت الطاقة السعودية جزءًا من ساحة الضغط المتبادل.
عند هذه النقطة يصبح الاستثمار في المصالحة جزءًا من الدفاع الوطني نفسه.
والسودان: الطريق الذي بدأ في جدة ينتظر اكتماله
هذا المعنى يكتسب وضوحًا أكبر في السودان.
هناك حرب دخلت عامها الرابع، وتغذيها الأسلحة والتدخلات الخارجية. وفي 16 سبتمبر دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى مساءلة الدول التي تزود أطراف الحرب بالسلاح، مشيرًا إلى دور الإسناد الخارجي في إطالة المأساة.
السعودية تملك في الملف السوداني أصلًا سياسيًا مهمًا: جدة.
هذا يجعل السؤال السوداني مختلفًا: المملكة تملك المنصة، والذاكرة التفاوضية، والثقة الإقليمية، والعلاقة مع الأطراف الدولية المؤثرة.
الخطوة التالية، كخيار سياسي مطروح للنقاش، تتمثل في إعادة جدة بصورة أوسع: مسار عسكري لوقف النار، مسار إنساني مستقل، ومسار مدني يضم القوى المدنية والمجتمعية والنقابية والنسوية والشبابية والمناطق المتأثرة بالحرب، مع إسناد إقليمي ودولي يمنع تعدد المنابر وتنافس الوسطاء.
إشراك المدنيين هنا يحمل وظيفة عملية. طرفا السلاح يستطيعان التفاوض حول وقف إطلاق النار، بينما مستقبل الحكم والدستور وإعادة بناء الدولة يتطلب أصحاب المصلحة خارج البندقية.
وقد يصبح السودان المجال الذي تختبر فيه السعودية نموذجًا جديدًا لدورها الإقليمي: دولة تجمع المتقاتلين، تجفف حوافز استمرار الحرب، تحشد التمويل لإعادة البناء، وتحافظ على مسافة تمنحها القدرة على مخاطبة الجميع.
حرمة مكة تبدأ من حرمة الإنسان
المسيّرة التي اقتربت من مكة تحمل رسالة أكبر من مسارها العسكري.
إنها تقول إن الإقليم وصل إلى درجة صار فيها كل شيء قابلًا للدخول في الحرب: المدن، النفط، الموانئ، المضائق، وربما المقدسات نفسها.
والجواب الأخلاقي الأعمق يوجد في الكلمات التي قالها النبي ﷺ قبل أربعة عشر قرنًا: الدم، المال، العرض، البلد الحرام؛ كلها دوائر حرمة.
لهذا تبدو اللحظة أوسع من إدانة هجوم، على وجاهة الإدانة وضرورتها.
إنها فرصة لإعادة تعريف القوة.
ربما تكون القوة في السنوات المقبلة هي قدرة الدولة على منع الحرب قبل أن تصل إلى سمائها، وعلى تحويل الخصم إلى طرف داخل معادلة مصالح، وعلى جعل الجار أكثر استفادة من الاستقرار منه من الفوضى، وعلى إطفاء الجبهة قبل أن تحتاج إلى ألف صاروخ دفاعي فوقها.
السعودية تملك من الثقل الديني والاقتصادي والسياسي ما يسمح لها بأن تكون أحد المراكز الكبرى لهذا التحول.
فإذا كان الاعتداء على مكة قد هز وجدان المسلمين، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد زوال صوت المسيّرات أشد وقعًا:
أكان يلزم أن تقترب النار من الكعبة كي نتذكر أن دم الإنسان كان مقدسًا قبل أن تصل إليها النار؟