أعمدة ومقالات

مشاورات لتسريح كامل إدريس وحكومته.. والأزمة تستفحل

أحمد عثمان جبريل

يكتب

❝حين تتغير الحكومة ويبقى الخراب.. من يقبل أن يحمل (جنازة البحر)؟❞

تقول الحكاية إن السودانيين يقولون عن الورطة التي تأتيك من حيث لا يد لك فيها، ثم تجد نفسك مطالباً بحمل تبعاتها: (جنازة البحر).. وهي جنازة يحملها تيار النيل من مكان إلى آخر، فتصل إلى قوم لم يتسببوا في موت صاحبها، لكنهم يجدون أنفسهم أمام واجب حملها ودفنها. ومن هنا صار المثل كناية عن عبءٍ يأتيك جاهزاً، فتجد نفسك مطالباً بالتعامل معه.

وهنا يبدأ السؤال عن الواقع السوداني الكبير: “إذا كانت مشاورات تغيير حكومة كامل إدريس قد بدأت.. فمن سيقبل بـ(جنازة البحر) هذه؟”..
فالمسألة ليست تبديل رئيس وزراء بآخر.. وإنما من سيأتي ليحمل بلداً أنهكته الحرب، واقتصاداً يترنح، وجوعاً يتسع، ونازحين بالملايين؟..
والسؤال الأهم:” من المسؤول عن الطريق الذي أوصل البلاد إلى هذه النقطة؟”..
فالبرهان، بحكم رئاسته لمجلس السيادة وقيادته للقوات المسلحة، ليس مراقباً يقف خارج المشهد.. وهو نفسه أعلن عدم رضاه عن أداء حكومة كامل إدريس، وقال: (لن ننتظر طويلاً).

(1)
قد يتغير كامل إدريس.. وقد تأتي حكومة أخرى.. لكن قبل مراسم التغيير، ينبغي أن نسأل: (من سيقبل هذه المهمة؟)..
“ومن سيقبل أن يحمل (جنازة البحر) بينما الحرب مستمرة، والاقتصاد ينزف، والجنيه يضعف، والأسواق تتحرك فوق أرض مضطربة؟”..
والسؤال لا يقف عند رئيس الوزراء..
فالسلطة الانتقالية نفسها تجعل من إيقاف الحروب وتحقيق السلام والاستقرار والنمو الاقتصادي من صميم مسؤوليات الدولة، كما أن رئيس الوزراء يمارس صلاحياته بعد اعتماد مجلس السيادة.

(2)
الدولار لم يعد رقماً في شاشة الصرافة.. صار شريكاً في تحديد ما يأكله السودانيين.. وحين تضطرب العملة وترتفع الأسعار إلى مستويات استثنائية، يصبح الاقتصاد نفسه جزءاً من معركة البقاء. وهنا حري بنا أن نذكر بما أعلنته منظمة (الفاو) أن أسعار الحبوب في السودان بلغت مستويات مرتفعة بصورة استثنائية، وسط استمرار النزاع ونقص المدخلات والإنتاج دون مستواه المعتاد..
وحين يصل الاقتصاد إلى هذه النقطة، يصبح السؤال عن الحكومة سؤالاً عن قدرتها على حماية حياة الناس، لا عن قدرتها على إصدار البيانات.

(3)
الجوع هو الوجه الأكثر قسوة للانهيار.. ووفقا لبرنامج الأغذية العالمي، فهناك نحو 19.5 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ ونحو 135 ألفاً في مرحلة الكارثة، فيما يُتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026.. كما هناك 14 منطقة معرضة لخطر المجاعة وفق سيناريوهات استمرار القتال وتدهور الوصول إلى الغذاء والمساعدات.
هذه ليست أرقاماً في تقرير دولي.. هؤلاء آباء وأمهات وأطفال ينتظرون وجبة، لا بياناً.

(4)
ثم هناك الذين عادوا.. إذ تقول منظمة الهجرة الدولية إن عدد العائدين بلغ نحو 4.93 مليون حتى يوليو 2026، فيما ظل عدد النازحين داخلياً عند نحو 8.62 مليون..
عادوا إلى السودان لأن الوطن وطنهم.. لكن بعضهم عاد إلى بيت مهدّم، وعمل مفقود، وخدمات محدودة..

عادوا إلى الوطن.. لكن الوطن نفسه يحتاج إلى من يعيده إلى الحياة.

(5)
وهنا لا نعفي كامل إدريس من مسؤولية ما يقع تحت يده..
ذلك لأن من يقبل المنصب يقبل مسؤولية قراراته، ما يعني أن حكومته تُسأل عن أدائها، وعن قدرتها على إدارة ما تستطيع إدارته..
لكن اختزال مأساة السودان كلها في رئيس الوزراء سيكون أسهل من مواجهة الحقيقة.
فماذا أُعطي كامل إدريس لكي ينجح؟..
اقتصاد طبيعي؟ لا..
سوق مستقر؟ لا..
إنتاج منتظم؟ لا..
بلد آمن يستطيع أن يجذب الاستثمار ويعيد تشغيل المصانع والمزارع؟ لا..
فكيف نطلب من حكومة أن تبني.. بينما الحرب تهدم؟

(6)
الحرب لم تقتل الناس وحدهم.. قتلت شروط الحياة..
أخرجت الملايين من بيوتهم، عطلت الإنتاج، مزقت الأسواق، وأضعفت الخدمات، وأرهقت قدرة الدولة والمجتمع على الاحتمال..
ولهذا فإن الحرب ليست ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد..
الحرب هي الاقتصاد حين يُنزف، وهي الزراعة حين تتعطل، وهي السوق حين يخاف التاجر، وهي الأسرة حين تعجز عن شراء طعامها.

(7)
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
“من يخلف كامل إدريس؟”..
السؤال:”من يستطيع إنقاذ السودان؟”..
يمكن تسريح حكومة.. ويمكن تشكيل حكومة جديدة.. ويمكن تبديل رئيس الوزراء والوزراء جميعاً.
لكن الجائع لن يشبع بتغيير الحكومة، والجنيه لن يتعافى من بيان، والبيت المهدّم لن يعود واقفاً بقرار إداري..
وهنا تعود (جنازة البحر) إلى مكانها..
من سيقبل أن يحملها؟.

في التاريخ حكاية أخرى..
حين ضرب الغلاء مصر في عهد السلطان الظاهر بيبرس سنة 662هـ، لم يكتفِ بمراقبة الأزمة؛ أحصى الفقراء، وأمر بتوزيعهم على الأمراء والأغنياء، ورتب لهم القوت حتى يأتي المحصول الجديد. كانت الرسالة واضحة: أزمة الناس مسؤولية الحكم، لا خبراً عابراً في دفتر السلطان.

وهنا بيت القصيد:
غيّروا الحكومة إن شئتم.. لكن لا تجعلوا تغييرها بديلاً عن علاج العلة.
فأي حكومة جديدة ستظل تصطدم بالعائق الأكبر: الحرب.
السودان لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة.. السودان يحتاج إلى فرصة جديدة للحياة.

ومضة ..

في عام الرمادة، حين اشتد الجوع، أنفق عمر بن الخطاب من بيت المال على الناس، وألزم نفسه ألا يأكل السمن واللحم حتى ينكشف ما بالناس. وتُنسب إليه العبارة التي تلخص معنى المسؤولية: (كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم؟).
هكذا يكون الحكم حين يتحول المنصب إلى حملٍ للناس.. لا مجرد جلوسٍ فوقهم.

توقيع أفق الحرف:

أفق يترفق باتساعه ليقول: “لا تبحثوا عن رئيس وزراء جديد يحمل أنقاض السودان وحده على كتفيه.. أوقفوا الحرب أولاً، ثم اسألوا الحكومة عمّا فعلت.. فالوطن الذي يموت تحت النار لا تنقذه كثرة تبديل الوزراء”.
إنا لله ياخ..
الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة