أعمدة ومقالات

الخيار المر…!

قهوة مرة
عوض عدلان

حتى أعداء الثورة والداعمون لبقاء العسكر في السلطة واستمرار الحرب يعترفون بأن الأزمة الاقتصادية وصلت الحلقوم، ولكنهم يختلفون ضد واقع الحال في الأسباب والحلول؛ فبينما يحمل البعض حكومة كامل إدريس مسؤولية التدهور، يرى وزير ماليتها أن انعدام الإنتاج والتباين الكبير بين الصادر والوارد هو السبب، بمعنى أن الشعب السوداني شعب غير منتج وكسول، والجميع يدور في حلقة مفرغة ويبتعد عن تحميل (البرهان) ومجموعته الانقلابية أسباب هذا الانهيار الكلي للدولة التي تعيش بلا إنتاج أو أمن أو عدالة، فالحقيقة داخل دولة بوليسية أمنية قابضة تقود البسطاء إلى السجون أو الموت، وتقود المسؤولين إلى الإقصاء.

لا أحد حتى الآن امتلك الشجاعة للقول بأن استمرار الحرب هو السبب في استنزاف الموارد، وأن الانقلاب على الحكومة المدنية هو من قاد لهذا الحصار الدولي، وأن ثلاثة أرباع القوى المنتجة من الشباب إما صاروا يحملون السلاح أو هم خارج البلاد، وأن المغتربين الذين كانوا يدعمون الاقتصاد بالتحويلات لأسرهم بالداخل صارت أسرهم معهم بالخارج، وأن المورد (الوحيد) المتبقي هو (الذهب) الذي تقبض عليه قطط الكيزان السمان على مفاصله يُهرّب بعلم الدولة ليغذي أسرهم الموجودة بالخارج أو يُستخدم لشراء السلاح بطرق ملتوية، وأن (الخلاصة) لكل ذلك أن البرهان فشل في الحفاظ على انقلابه ولا بد أن يرحل أولاً قبل البحث عن الحلول..

والبرهان يعلم بأن بإمكانه الرحيل بهدوء بالدخول في حوار جاد وليس المراوغات التي ظل يكررها، وهو خائف بطش الكيزان إذا حاول الانقلاب عليهم وتسليم قياداتهم للمحكمة الجنائية، ومن انقلاب القوات المشتركة عليه إذا ما حاول إقصاءها، ويرى أن ثورة الجياع أقل ضرراً ومقدوراً عليها بالقهر والسحل والمحاكمات، وأن بقاءه في السلطة غير مرتبط بالشعب بقدر ارتباطه بالمجموعة التي حوله والتي ترفع في وجهه بندقية الطاعة.

والشارع السوداني الذي ينتظر أن ينتفض (البرهان) نيابة عنه حسب ما يحاول الأرزقية الذين يمتصون في دمه في هدوء من خلال هذا الوضع إقناعه بأن الخلاص بيد البرهان سينتظر طويلاً، فالأمر ليس بيده بل مصالح المجموعات التي حوله هي التي تضعه في فوهة المدفع بلا قرار، والخلاص المنتظر منه لن يأتي، وعلى الشعب أن يقرر هل ينتظر أن يصل الانهيار مداه لينقلب من يحملون لانتزاع اللقمة من فمه بسطوة البندقية، أو أن يواصل ثورته ليفك العزلة ويعيد الحرية والسلام والعدالة وترميم ما تبقى من الوطن؟ ففي النهاية فإن الأشخاص زائلون والوطن هو الباقي.. وسيان هو (الموت)، ولكن الفرق أن تموت بكرامة لتفتح لأجيال قادمة آفاق وطن معافى، وأن تموت جوعاً بجبن، وفوق ذلك تترك لتلك الأجيال وطناً مريضاً ممزقاً بعد أن صار لا خيار غير الثورة أو نترك الأمر للنطيحة والمتردية وحملة السلاح ليقرروا لنا مصيرنا..
الحرب لازم تقيف..
ولابد من الدولة المدنية..
ولنقف جميعاً أمام الدكتاتورية العسكرية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة