متابعات وتقارير

حين يصبح الجدل صناعة.. كاشا النيل ومساجد في مرآة الشهرة الرقمية

تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي أنباء عن توقيف صانعات المحتوى السودانيات كاشا النيل وسحر كوكي ومساجد في القاهرة وما تردد بشأن احتمال ترحيل كاشا ومساجد إلى السودان الأمر الذي أعاد قضية المحتوى المثير للجدل إلى واجهة النقاش العام، بعدما تحولت حساباتهن خلال الفترة الماضية إلى مساحة لمتابعة الخلافات الشخصية والتعليقات والردود المتبادلة.
وبحسب ما تردد فإن الواقعة ارتبطت بخلاف بين كاشا النيل وسحر كوكي بدأ عقب نشر سحر مقطع فيديو وردت عليها كاشا بمقطع آخر قبل أن تتطور الخلافات بينهما. ووفق مصدر من القاهرة حضرت سحر إلى موقع وجود كاشا برفقة رجل وامرأة لتنشب مشادة بين الطرفين أسفرت عن إصابة كاشا في منطقة الخد فيما كان أفراد من الشرطة موجودين بموقع الواقعة قبل اقتياد الأطراف إلى قسم شرطة عابدين.
وأشار المصدر إلى وجود كاشا النيل وسحر كوكي ومساجد داخل القسم إلى جانب والدة سحر كوكي فيما أكدت كاشا عدم تنازلها عن قضيتها. وبالتزامن مع ذلك تداولت منصات التواصل الاجتماعي أنباء عن ترحيل كاشا ومساجد إلى السودان.
🔸️من خلاف شخصي إلى قضية عامة
سبق أن أثار المحتوى المرتبط بكاشا النيل ومساجد انتقادات واسعة على منصات التواصل، كما تناولت تقارير صحفية خلافاً علنياً بينهما تضمن، بحسب ما ورد في تلك التقارير تهديدات بكشف صور أو مقاطع خاصة وهذه التفاصيل تظل في إطار ما نشرته وسائل إعلام ومنصات إلكترونية ولا تعني ثبوتها قضائياً.
وفي يونيو الماضي ظهرت كذلك مطالبات بمحاسبة كاشا النيل على خلفية محتوى وصفه منتقدون بأنه خادش للحياء العام ومسيء للقيم الأسرية ما أضاف بعداً قانونياً إلى الجدل الذي كان يدور أساساً في الفضاء الرقمي.
وهنا تبرز إشكالية تتكرر في بيئة التواصل الاجتماعي: متى يظل المحتوى شأناً شخصياً لصاحبه، ومتى يتحول إلى قضية رأي عام تستدعي النقاش حول أثره على المجتمع؟
🔸️اقتصاد الغضب
لا تنظر الدراسات الحديثة إلى انتشار المحتوى المثير باعتباره نتيجة لاختيارات المستخدمين وحدها. فقد خلصت دراسة منشورة حديثاً في Nature Human Behaviour إلى أن المحتوى ذي الحمولة الأخلاقية يحظى بمعدلات أعلى من التفاعل وإن كان الإفراط في استخدام اللغة الأخلاقية قد يؤدي إلى تراجع التفاعل بعد نقطة معينة.
وتشير دراسة أخرى أجراها باحثون من جامعة ستانفورد إلى أن أنظمة التوصية القائمة على التفاعل يمكن أن تدفع إلى ظهور محتوى استفزازي لدى المستخدمين، لأن المنصات تتعامل مع التعليق والمشاركة وإعادة النشر بوصفها مؤشرات على الاهتمام، حتى عندما يكون التفاعل ناتجاً عن الغضب أو الرفض.
ويقول الباحثون إن المستخدم قد يتفاعل مع محتوى لأنه يرفضه، بينما تفسر الخوارزمية هذا التفاعل باعتباره رغبة في رؤية المزيد منه.
وتتفق هذه النتائج مع أبحاث في علم النفس الاجتماعي أظهرت أن الحصول على تفاعل إيجابي مع التعبير عن الغضب الأخلاقي يزيد احتمال تكرار هذا السلوك لاحقاً، بما يجعل التفاعل الرقمي عاملاً في إعادة إنتاج الخطاب الغاضب والمثير للجدل.
ويذهب الباحثون في مراجعات علمية أوسع إلى أن منصات التواصل لا تخلق بالضرورة مشاعر الغضب والاستقطاب من الصفر لكنها تستطيع تسريعها وتضخيمها عندما يصبح جذب الانتباه معياراً أساسياً لانتشار المحتوى.
🔸️المؤثر بين الحرية والمسؤولية
في المقابل، لا تعني هذه النتائج أن كل محتوى مثير للجدل مصطنع أو أن كل مؤثر يسعى عمداً إلى صناعة الغضب، كما أن الانتقاد الاجتماعي لا يساوي إدانة قانونية.
فالحق في التعبير وصناعة المحتوى يظل قائماً، لكن ممارسة هذا الحق قد تتقاطع مع حقوق أخرى، بينها الحق في الخصوصية وحماية السمعة وعدم استخدام البيانات أو الصور الشخصية بطريقة مخالفة للقانون.
وفي مصر يتضمن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 نصوصاً تتعلق بالخصوصية والقيم الأسرية كما توجد نصوص في قانون العقوبات تتناول نشر أو عرض مواد خادشة للحياء العام غير أن تطبيق هذه النصوص يرتبط بوقائع وأدلة وإجراءات قانونية محددة.
🔸️الجمهور.. الطرف الغائب في النقاش
لا تكتمل القضية من دون النظر إلى الجمهور نفسه فانتشار أي محتوى يعتمد في جزء كبير منه على المشاهدة والتعليق والمشاركة وإعادة النشر بما في ذلك التفاعل الغاضب.
وتشير الأبحاث إلى أن إشارات الانتشار نفسها يمكن أن تزيد من مشاعر الغضب وتدفع المستخدمين إلى التعامل مع قضية ما باعتبارها أكثر خطورة أو انتشاراً مما هي عليه فعلياً.
وبذلك يصبح الجمهور شريكاً في تحديد ما يظل هامشياً وما يتحول إلى «ترند»، بينما تعمل الخوارزميات على إعادة تدوير المحتوى الذي يحقق التفاعل الأكبر.
🔸️قضية تتجاوز شخصين
قصة كاشا النيل وسحر كوكي ومساجد، بصرف النظر عن نتائج ما يتردد بشأن توقيفهن أو ترحيل بعضهن تضع ظاهرة أوسع أمام النقاش السوداني: الشهرة الرقمية التي تتقاطع فيها صناعة المحتوى مع الخلافات الشخصية والتفاعل الجماهيري.
فالقضية لا تتعلق بأسماء بعينها وحدها، ولا تقتصر على المحتوى السوداني وإنما ترتبط بتحول عالمي في طبيعة الإعلام الرقمي حيث يستطيع الفرد أن يصبح مؤسسة إعلامية صغيرة تمتلك جمهوراً وتأثيراً من دون المرور بالمعايير المهنية التقليدية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نقاش مجتمعي هادئ حول مسؤولية المؤثرين وحقوق الجمهور ودور الأسرة في التوعية الرقمية ومسؤولية المنصات وحدود القانون والأهم: كيف يمكن حماية حرية التعبير دون تحويل الفضاء الرقمي إلى مساحة لانتهاك الخصوصية أو التنمر أو التشهير أو نشر محتوى ضار؟
فالقضية في النهاية ليست في شهرة شخص أو خلافه مع آخر وإنما في البيئة الرقمية التي تجعل من الخلاف مادة للانتشار ومن الغضب وقوداً للتفاعل ومن «الترند» معياراً للنجاح.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة