أعمدة ومقالات

كيف تتوقف الحرب في السودان؟نحو حلٍّ جذريٍّ يعالج أصل الأزمة الوطنية

د/ الأَمِينُ بِلَالُ مُخْتَار

إن استمرار الحرب في السودان ليس قدراً محتوماً، ولا هو صراعٌ عبثيٌّ بلا أسباب. إنها نتاجٌ مباشرٌ لأزمةٍ بنيويةٍ عمرها عقود: أزمة الدولة، وأزمة الجيش، وأزمة السياسة.

ولذلك فإن إيقاف الرصاص اليوم لا يكفي، ما لم نعالج ما يُنتج الرصاص غداً.

وفيما يلي خارطة طريق منطقية ومسؤولة لإيقاف الحرب وبناء الدولة:

أولاً: إيقاف الحرب فوراً ودون شروط مسبقة

هدنة إنسانية شاملة برعاية إقليمية ودولية، تفتح الممرات الآمنة وتسمح بوصول الإغاثة.

وقف إطلاق نار دائم تُشرف عليه آلية محايدة، ويُجرَّم أي خرق له.

فصل القوات وتحييد المدن وإخراج أي تشكيل مسلح من المناطق السكنية والخدمية.

إن الحرب لا تُحسم عسكرياً. وكل يوم إضافي يعني مزيداً من الضحايا والدمار الذي سيدفعه أبناؤنا لأجيال.

ثانياً: معالجة جذر الأزمة – ثلاثة ملفات لا تحتمل التأجيل

ملف الدولة: تفكيك دولة الحزب وبناء دولة الوطن
إن أساس الأزمة يكمن في اختطاف الدولة لصالح حزب، ثم لصالح مؤسسة.
والحل: تفكيك منظومة التمكين تفكيكاً كاملاً. إخضاع الشركات الحكومية وشركات القوات النظامية لولاية وزارة المالية. حل المليشيات ودمجها في جيش قومي واحد مهني ذي عقيدة وطنية لا حزبية. جيش تكون مهمته حماية الدستور لا الحكم.

ملف السياسة: حكم مدني ديمقراطي كامل
لا وصاية عسكرية ولا تسوية ثنائية.
والحل: فترة انتقالية بقيادة مدنية كاملة. تشكيل حكومة كفاءات وطنية. التوافق على دستور دائم، وإجراء انتخابات حرة نزيهة تُعيد السلطة إلى الشعب. فمن يحكم هو من يختاره الشعب في الصندوق لا في الميدان.

ملف العدالة والمساءلة: لا سلام بلا عدالة
إن تجاهل الجرائم يعني إنتاج حرب جديدة.
والحل: تشكيل لجان تحقيق مستقلة في جرائم الحرب منذ عام 2003. محاسبة كل من أجرم في حق الشعب. تفعيل العدالة الانتقالية وجبر الضرر للنازحين واللاجئين. ضمان عودة طوعية آمنة وكريمة. فبدون ذلك لن يكون هناك وطن يسع الجميع.

ثالثاً: مشروع وطني جامع – العقد الاجتماعي الجديد

لن ينهض السودان بشعارات التخوين والإقصاء. إننا في حاجة إلى مشروع وطني يجيب عن السؤال: أي سودان نريد؟

مشروع يقوم على المواطنة المتساوية، وعلى احترام التنوع لا تقسيمه، وعلى اقتصاد منتج لا على اقتصاد الحرب والسمسرة، وعلى علاقات خارجية متوازنة تخدم مصالح السودان لا أجندات الآخرين.

الخلاصة: من أراد السلام فليدفع ثمنه

إن إيقاف الحرب مسؤولية أخلاقية وتاريخية تقع أولاً على عاتق من يحملون السلاح اليوم.
وإن الشجاعة الحقيقية هي الاعتراف بالفشل، وتسليم السلطة للمدنيين، والعودة إلى الثكنات.

أما نحن كشعب، فمسؤوليتنا أن نرفض كل حل ترقيعي، وأن نتمسك بحل جذري يعالج أسباب الحرب لا أن يجمّل آثارها.

فالأوطان لا تُبنى بالبنادق ولا تُدار بالقوة.
إنما تُبنى بالدستور، وتُحرس بالقانون، وتُدار بالإرادة الشعبية.

وعندئذٍ فقط… سيعود السودانيون إلى ديارهم، ويعود السودان إلى أهله

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة