1 أكتوبر 2026م في ذاكرتنا السياسية والاجتماعية صورة تكاد تبدو مكتملة من فرط تكرارها، جامعة الخرطوم، وندوة تناقش قضية الجنوب، ورصاص يقتحم مساء الأربعاء 21 أكتوبر 1964م، والشهيد أحمد القرشي طه محمولًا على الأكتاف، جنازة تتحول إلى فعل قومي، وقضاة وأساتذة وطلاب وعمال ونقابيون وسياسيون يوسعون دائرة الاحتجاج، إضراب سياسي يشل قدرة السلطة على إدارة البلاد، ثم نظام عسكري بدأ واثقًا من قبضته يجد نفسه أمام شعب استرد المبادرة.
هذه الصورة صحيحة في خطوطها الكبرى، غير أنها تقول أقل كثيرًا مما تخفي، فالذي انفجر في أكتوبر 1964م بدأ يتكون قبل ذلك بسنوات، داخل أزمة الدولة بعد الاستقلال، وعجز النخبة عن إنجاز دستور دائم، واضطراب الحياة الحزبية، وقضية الجنوب التي عولجت بأدوات أمنية وإدارية، فيما كانت طبيعتها السياسية والثقافية والاقتصادية أوسع من قدرة القمع على احتوائها، ثم جاء انقلاب 17 نوفمبر 1958م ليضع السودان أمام أول اختبار كامل للحكم العسكري بعد الاستقلال. ومن هنا تبدأ هذه السلسلة. أكتب “حفريات أكتوبر.. الثورة التي ما زالت تسألنا” رغبة في استعادة الحدث من الاحتفال الموسمي إلى فضاء المعرفة، من الأغنية والصورة والحنين إلى الوثيقة والشهادة والسؤال، ثم إلى حاضر يضع السودان أمام أزمة أشد اتساعًا وأعلى كلفة من تلك التي واجهها جيل أكتوبر.
نريد قراءة أكتوبر كما وقعت، وكما رواها فاعلوها، وكما حفظتها أسر الشهداء، وكما صنعتها الذاكرة الثقافية، ثم نضع كل ذلك أمام أسئلة الدولة السودانية المفتوحة حتى اليوم، من الذي صنع الثورة؟ من أخطأ قبلها؟ كيف تكونت المعارضة؟ ما موقع قضية الجنوب في مسارها؟ ما الذي حوّل حادث الجامعة إلى أزمة نظام؟ كيف انتقل المجتمع من الاحتجاج إلى الإضراب؟ لماذا نجح التفاوض؟ أين تعثرت الفترة الانتقالية؟ وكيف استطاع السودان إسقاط حكم عسكري في 1964م، ثم عاد بعد سنوات إلى الحلقة نفسها؟. هذه أسئلة تاريخ، وهي في الوقت نفسه أسئلة حاضر.
الثورة بدأت قبل 21 أكتوبر وحصر ثورة أكتوبر في أيامها الأخيرة يمنحنا مشهد الانفجار ويحجب مسار التراكم، فقبل الرصاص بست سنوات كان السودان قد دخل أزمة سياسية حقيقية، حملت التجربة البرلمانية الأولى ميراث الاستقلال وآماله، وحملت معها هشاشة البنية الحزبية، والانقسامات الداخلية، والتباين حول الائتلافات، وتعثر مشروع الدستور، إلى جانب قضية جنوبية ظلت تتسع سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا. في 17 نوفمبر 1958م انتقلت السلطة “تسليما” من الأميرلاي عبد الله خليل إلى القوات المسلحة بقيادة الفريق إبراهيم عبود، ومن هنا تبدأ واحدة من أعقد القضايا التي ترافق كتابة تاريخ السودان الحديث، طبيعة ذلك الانتقال، ومسؤولية رئيس الوزراء عبد الله خليل، وموقف حزب الأمة كمؤسسة، ومواقف السيدين، ثم التحولات التي جرت لاحقًا داخل القوى السياسية التي دخل بعضها مرحلة الانقلاب بمواقف متباينة، وانتهى بها المسار إلى مقاومته.
الوثائق التي بين أيدينا تكشف تاريخًا أقل راحة من الروايات الحزبية المبسطة، فهناك من أيد الانقلاب في أيامه الأولى، ومن رفضه، ومن راجع موقفه لاحقًا، وهناك حزب، ومؤسسة، وقيادة دينية، ورئيس وزراء، وتفاصيل متباينة يصعب صهرها جميعًا في جملة واحدة.
وهذا التفصيل مهم، لأن التاريخ الذي يخدم الحاضر يحتاج إلى شجاعة الاعتراف أكثر من حاجته إلى تبرئة الذات، والسؤال الذي يفرض نفسه بعد ستة عقود هو، كم مرة تعامل السودانيون مع تسليم السياسة إلى القوة المسلحة باعتباره حلًا مؤقتًا، ثم اكتشفوا أن «المؤقت» يعيد تعريف الدولة كلها؟.
ومن هذه النقطة خرج واحد من أعمق دروس أكتوبر، فالسلطة التي تنتقل خارج قواعد الشرعية المدنية قد تعود إلى الشعب، غير أن كلفة استعادتها ترتفع كلما طال بقاؤها خارج تلك القواعد.
الجنوب.. السؤال الذي وصل إلى الجامعة يصعب فهم أكتوبر إذا تعاملنا مع الجنوب كخلفية بعيدة مفصولة بسياسات وممارسات المستعمر وإجراءات الصاغ صلاح سالم، فالملف كان حاضرًا في صلب الأزمة، وقد اتخذ الحكم العسكري إجراءات إدارية وثقافية ودينية في الجنوب، واتسعت المعارضة، وتحركت قوى جنوبية إلى الخارج، ونشأت تنظيمات سياسية، ثم تطورت المقاومة المسلحة، فيما أصبح تعامل الدولة مع القضية أكثر اعتمادًا على الأمن، رغم أن أصل المشكلة كان يحتاج إلى سياسة وحوار وتسوية وطنية.
وبعد أشهر قليلة وصل السؤال نفسه إلى جامعة الخرطوم، واستضاف الطلاب الدكتور حسن عبد الله الترابي، عميد كلية القانون آنذاك، في ندوة تناولت قضية الجنوب، وربط حديثه، وفق الروايات التي بين أيدينا، بين الحرية السياسية وإمكان الوصول إلى حل والذي وقفت عليه أن الندوة كانت مسودة الكتاب الذي وسمه الإمام الصادق المهدي أخذها د. حسن من منضدة مكتبه.
وهذه الفكرة مست جوهر الأزمة مباشرة، كيف تستطيع دولة معالجة مشكلة سياسية وهي تغلق المجال أمام المجتمع لمناقشتها بحرية؟. وعندما عقد الطلاب ندوة لاحقة داخل الداخليات، اختارت السلطة المواجهة الأمنية واستخدم الرصاص، وفي تلك اللحظة تغيرت طبيعة المشهد، فقضية الجنوب كانت أحد الأبواب التي دخل منها سؤال الحرية إلى الجامعة، والجامعة نقلت سؤال الحرية إلى الشارع، والشارع أعاد تعريف القضية كلها باعتبارها أزمة حكم وشرعية.
وهذه العلاقة تستحق توقفًا طويلًا في السودان المعاصر، فالخبرة السودانية تكرر تحذيرًا واحدًا بأشكال متعددة، المشكلة السياسية التي تُغلق أمامها قنوات التعبير والتفاوض تبحث لنفسها عن قنوات أخرى، وغالبًا تكون أعلى كلفة وأصعب ضبطًا.
أحمد القرشي.. كيف يصبح الإنسان وطنًا؟ في مساء 21 أكتوبر 1964م سقط الشهيد أحمد القرشي طه، وبمرور السنين صار اسمه شديد الالتصاق بالثورة حتى كادت صورته الإنسانية تختفي خلف رمزيته. مواد أسرته التي اطلعت عليها تكشف جانبًا آخر من القصة، فتى وُلد بالقراصة عام 1944م، تنقل في مراحل تعليمه بين بيئات سودانية متعددة، عاش في الدلنج والفاشر، أحب القراءة والرسم والخط والأنشطة الثقافية والرياضية، ثم وصل إلى جامعة الخرطوم. وتحفظ الأسرة ذكريات عن هدوئه، واهتمامه بالشأن العام، وميله إلى تجاوز الانقسامات الاجتماعية والقبلية، وبعض هذه التفاصيل يأتي من ذاكرة أسرية وشهادات شفاهية، ولذلك نحفظ لها صفتها ونميزها عن الوثيقة القطعية إلى أن يكتمل إسنادها.
غير أن قيمتها تتجاوز الإثبات المباشر إلى وظيفة أعمق، فهي تعيد الإنسان إلى التاريخ، فالشهيد في الكتب اسم، وفي البيت ابن غاب، وأخ توقف عمره، وصديق انقطع صوته، ومستقبل خرج من الزمن في لحظة.
ويبدو لي أن واحدًا من واجبات هذه السلسلة أن تعيد إلى رموز أكتوبر ملامحهم الإنسانية، لأن تحويل الشهداء إلى أيقونات صامتة يريح الذاكرة أكثر مما يعلمها. وسنعود إلى القرشي في حلقة مستقلة، بعيدًا عن النزاع القديم حول انتمائه السياسي، لنسأل سؤالين أكثر قيمة، كيف تحول طالب واحد إلى رمز وطني؟ وكيف تملك الذاكرة العامة سيرة الإنسان بعد رحيله؟.
من الرصاصة إلى الإضراب الرصاصة وحدها عاجزة عن تفسير أكتوبر، وهذه حقيقة مركزية، فقد سبقتها معارضة سياسية، ونشاط طلابي، واحتقان اجتماعي، وقضية جنوبية، وحكم فقد مساحة واسعة من القبول، غير أن مقتل الطلاب نقل الأزمة إلى مستوى جديد، وأصبح السؤال أخلاقيًا بقدر ما كان سياسيًا. تحركت الهيئات، وتقدم القضاء، والنقابات، والأساتذة، والطلاب، والأحزاب إلى مساحة عامة مشتركة، وخرج موكب يطالب بالتحقيق في أحداث الجامعة، واختارت السلطة المنع مرة أخرى، ومن هذا الاحتكاك خرج الإضراب السياسي العام. وهنا انتقلت المعارضة من التعبير عن الغضب إلى امتلاك قدرة على تعطيل السلطة، فالمظاهرة تكشف اعتراض المجتمع، أما الإضراب السياسي فيكشف قدرته على سحب جزء من طاقته التي تقوم عليها إدارة الدولة. وكانت هذه القوة الاجتماعية تحتاج إلى إطار سياسي يحميها من التبعثر، ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر لحظات أكتوبر أهمية.
مركزان للمعارضة.. وقرار منع الانقسام تتكرر في شهادات الإمام الراحل الصادق المهدي الإشارة إلى مركزين رئيسيين للمعارضة، جبهة الهيئات في نادي أساتذة جامعة الخرطوم، والقوى السياسية في بيت المهدي بأم درمان، وكان وجود مركزين يحمل احتمالين، تكامل القوة أو تنازع التمثيل. وعندما بدأ النظام البحث عن قناة للتفاوض، ظهرت لحظة كان يمكن أن تنقسم فيها المعارضة، ووفق شهادة الصادق المهدي، أرسل الفريق عبود ضابطين هما عوض عبد الرحمن صغير والطاهر عبد الرحمن المقبول للتواصل مع المجموعة الموجودة في بيت المهدي، وكان الرد أن الحوار ينبغي أن يكون قوميًّا وبمشاركة جبهة الهيئات. هذه الواقعة المثبت تفاصيلها عبر الوثائق والشهادات المستقلة الموجودة وتلك التي نأمل جمعها، تستحق مكانًا أكبر في تاريخ أكتوبر، لأن القوى المعارضة تُختبر في مواجهة السلطة، وتُختبر بالقدر نفسه في قدرتها على إدارة اختلافاتها الداخلية. فالسلطة تعرف عادة كيف تبحث عن الفواصل، حزبي ومهني، قديم وجديد، معتدل وراديكالي، مركز وأطراف، وحركة التغيير التي تدخل التفاوض وهي متنازعة على حق التمثيل قد تهدر داخل الغرف المغلقة جانبًا مما كسبته في الشارع. وهذه الفكرة تصل إلينا اليوم محملة بوزن أكبر من عام 1964م.
الميثاق قبل التفاوض قبل الذهاب إلى مقابلة قيادة النظام ظهرت مشكلة أخرى، فالمعارضة كانت تعرف ما تريد إسقاطه، بينما احتاج سؤال النظام البديل إلى إجابة مكتوبة. وفي شهادات الإمام الصادق المهدي، صيغت ورقة داخل بيت المهدي، ونوقشت بين القوى المجتمعة، ثم أصبحت إطارًا لمطالب الثورة، وهنا نجد درسًا شديد القسوة في بساطته، رفض النظام يستطيع توحيد الناس بسرعة، أما الاتفاق على اليوم التالي فيحتاج إلى عمل أصعب، وما علمته من العم إبراهيم علي إبراهيم مدير مكتب الراحل الإمام أنه هو من صاغ الميثاق بخط يده واعتمدته القوى الثورية وقتها. من يحكم المرحلة الانتقالية؟ ما مدتها؟ ما شكل الدولة؟ كيف توزع السلطات؟ ما موقع الجيش؟ كيف تحسم الخلافات؟ متى تأتي الانتخابات؟ كيف تعالج الحرب؟ وما المؤسسة التي تفصل بين الأطراف إذا انقسمت قوى الثورة نفسها؟. أكتوبر قدمت بعض الإجابات، وتركت أسئلة أخرى مكشوفة، فقد نجحت في استرداد الحريات، ونقل السلطة، وفتح الطريق أمام انتخابات، وإعادة قضية الجنوب إلى المجال السياسي، ثم كشفت الفترة الانتقالية عن قصور في الترتيبات، وضعف في آليات إدارة الخلاف، وصراع حول تمثيل الثورة وتوازن القوى داخل السلطة الجديدة. وهنا تظهر المسألة التي سترافقنا حتى نهاية هذه السلسلة، لماذا امتلك السودانيون قدرة عالية على صناعة لحظة التحرر، بينما بقيت قدرتهم على بناء المؤسسة التي تحمي ذلك التحرر دون مستوى تلك اللحظة؟. هذا هو السؤال الذي يجعل أكتوبر حاضرة.
من 1964م إلى حرب 2023م المستمرة حتى اليوم أي محاولة لاستنساخ أكتوبر في السودان الراهن ستكون قراءة كسولة للتاريخ، فسودان 2026م مختلف جذريًا عن سودان 1964م، حرب ممتدة، وقوى مسلحة متعددة، وانهيار واسع في مؤسسات الدولة، ونزوح ولجوء بملايين البشر، وتدخلات إقليمية ودولية، واقتصاد منهك، ومجتمع تعرض لتمزقات عميقة. والمطلوب لذلك يتجاوز تكرار أدوات أكتوبر حرفيًا إلى استخراج منطقها، فأكتوبر تقول إن إغلاق السياسة يرفع كلفة الخلاف، وإن القضية التي تبدأ في الأطراف قد تتحول إلى أزمة حكم في المركز، وإن المجتمع يستطيع إنتاج قوة سياسية من خارج السلاح، وإن وحدة القوى صاحبة المصلحة في التغيير أهم من تطابقها الفكري، وإن الميثاق ينبغي أن يسبق اقتسام السلطة، كما تقول تجربتها اللاحقة إن سقوط الحكم وحده عاجز عن حل أزمة الدولة. والسودان اليوم يحتاج إلى هذه الدروس مع وعي كامل بالفروق، فالتحدي تجاوز استبدال حكومة بحكومة، وأصبح متعلقًا باسترداد الدولة نفسها من الحرب، وبناء عقد سياسي يمنع السلاح من التحول إلى الوسيلة المعتادة لتعديل موازين السلطة.
لماذا «حفريات أكتوبر»؟ لأننا نبحث عن أرشيف حي، أكثر من حاجتنا إلى نصب تذكاري جديد. وسنقرأ خلال الأيام القادمة الوثائق، والمذكرات، والخطب، وروايات الأسر، وشهادات الفاعلين، وسنضع الرواية أمام الرواية عندما تختلف، وسنقول بوضوح إن الدليل غير مكتمل عندما يعجز الأرشيف عن منحنا إجابة قاطعة. سنبدأ في الحلقة القادمة من 17 نوفمبر 1958م، اليوم الذي دخل فيه السودان أول دورة طويلة من الحكم العسكري بعد الاستقلال، وسنحاول إعادة بناء الطريق من الانقلاب إلى مساء الجامعة، ثم نصل إلى الجنوب، والقرشي، والقضاة، وجبهة الهيئات، والأحزاب، والإضراب، والعسكريين، والمفاوضات، والحكومة الانتقالية، والمائدة المستديرة، وميراث أكتوبر في أبريل وديسمبر. والهدف يتجاوز معرفة من فعل ماذا قبل اثنين وستين عامًا، فنحن نبحث عن إجابة لسؤال أقسى، ما الذي ينبغي أن يعرفه السودانيون عن تاريخهم حتى يتجنب الجيل القادم دفع ثمن الدرس نفسه مرة أخرى؟
نداء إلى شهود أكتوبر ما زال بيننا رجال ونساء رأوا تلك الأيام، وما زالت أسر كثيرة تحتفظ بصور، ورسائل، وقصاصات صحفية، ومذكرات، وشهادات بعيدة عن الأرشيف العام. أدعو كل من شهد أحداث أكتوبر 1964م، أو يحتفظ بمادة تخصها، إلى المشاركة، اكتبوا شهاداتكم، أو أرسلوا تسجيلًا صوتيًا إذا كانت الكتابة شاقة، واذكروا المكان، والتاريخ، والأشخاص الذين كنتم معهم، وافصلوا بوضوح بين ما رأيتموه مباشرة وما وصلكم من الآخرين. والاختلاف بين الشهادات مرحب به، فالتاريخ الجاد يتعامل مع التناقض باعتباره مادة للفحص، يوثقه، ويقارنه، ويبحث عن تفسيره. للشهادات والوثائق والتعقيبات: 📧 orwaalsadig@gmail.com Telegram | Facebook | X | TikTok | LinkedIn @orwaalsadig
عروة الصادق من أجل ذاكرة تُنصف الوطن، ووعي يقيه تكرار المأساة الحلقة القادمة قبل الرصاصة.. ست سنوات صنعت 21 أكتوبر من 17 نوفمبر 1958م إلى مساء الجامعة