طيف أول: أغمر قلبك بالضوء، واتركه يتجوّل في ممرّات السماح، وامضِ صافياً كزرقة سماءٍ بعد أوّل مطر.
وما قالته الولايات المتحدة أمس الأول على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، بأن واشنطن لا تدعم حوارًا سودانيًا قبل وقف الحرب، مع تجديد دعوتها للهدنة ووقف إطلاق النار، هو تصريح شديد الأهمية ،ليس لأنه يجدد الموقف الأمريكي الداعم للحل السياسي في السودان، بل لأنه يكشف بوضوح أن الرؤية الأمريكية للملف السوداني بدأت تتباعد عن الرؤية السعودية في هذه المرحلة بعتبارهما شريكتان في الحل السياسي منذ بداية الحرب إذن، هل الخطوات التي تقيس مسافة التباعد بين واشنطن والرياض هي ذاتها التي تقرّب واشنطن من أبوظبي؟ فتحالف الإمارات–إثيوبيا ينسجم مع الرؤية الأمريكية تمامًا. فعندما تقول الولايات المتحدة إن الحوار السوداني لا يمكن أن يبدأ قبل وقف الحرب، فهي ترسل رسائل واضحة بأن واشنطن ترفض أي عملية سياسية تحت النار، وأنها لن تعترف بأي ترتيبات سياسية تُفرض بالقوة، وتريد وقفًا شاملًا لإطلاق النار قبل أي مفاوضات. وهذا يتعارض تمامًا مع رؤية السعودية التي لا تسعى الآن لوقف الحرب، بل قامت بخطوات عكسية: تحالف بحري مع سلطة بورتسودان، وتعزيز التعاون الأمني قبل التسوية السياسية، والتعامل مع السلطة القائمة كأمر واقع، والتركيز على أمن البحر الأحمر بدلًا من وقف الحرب. فواشنطن ربما تنظر إلى أن هذا الطريق الذي ترصفه السعودية قد يمهّد لروسيا وإيران، لذلك أعلنت أنها تريد مسارًا سياسيًا شاملًا، وترفض شرعنة أي طرف عبر القوة، وترى أن الحرب تهدد مصالحها في القرن الأفريقي. فتصريحات واشنطن الرافضة للحوار، بعد الخطوات التي قامت بها السعودية، تكشف اختلاف ملامح الأولويات بين واشنطن والرياض، وتبقي واشنطن أقرب لتحالف الإمارات وإثيوبيا الذي أصبح يدعمه موقفٌ أفريقي جديد. والاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن والسلم الأفريقي أكدا أن أي حوار سياسي في السودان غير ممكن قبل وقف الحرب، وهذا ينسجم مع موقف واشنطن، ويتعارض مع المسار السعودي الذي بدأ ترتيبات أمنية وسياسية قبل وقف القتال، ويبتعد عن رؤية الرياض التي ركّزت على أمن البحر الأحمر وتجاهلت المأساة الأساسية كما أن ما فعلته السعودية باعد بينها وبين منصات الحل، وجعلها تفقد مكانة الوسيط. الأمر الذي يجعل مسار الإمارات وإثيوبيا يتقدم إلى واجهة الحل، سيما أن الأخيرة تُعد لاعبًا محوريًا داخل الاتحاد الأفريقي، مما يجعلهما تتحركان ضمن رؤية سياسية متوافقة مع واشنطن، عكس السعودية التي تتحرك في الاتجاه الأمني الذي يناقض الرؤية الأمريكية ويركّز على التعامل مع السلطة القائمة. ومن خلال آخر تصريحات علنية أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحضور رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في قمة مجموعة السبع (G7)، أشار ترامب إلى أن محمد بن زايد سيكون الحليف القوي والرئيسي والمحوري الذي يعتمد الفاعلية العسكرية في التعامل مع التهديدات الإقليمية وحماية أمن المنطقة وقتها ذكرنا أن هذه الكلمات التي خرجت من ترامب تؤكد أن الرئيس الأمريكي رفع مكانة الإمارات في ملفات الشرق الأوسط، عندما اعتبر أن محمد بن زايد قائدٌ مركزي في التنسيق مع واشنطن، في إشارة غير مباشرة إلى أن الإمارات أصبحت الشريك الأقرب للولايات المتحدة في ملفات الأمن الإقليمي بدلًا عن المملكة العربية السعودية. ومنذ تلك القمة لم تجمع الرياض بواشنطن لقاءات رسمية مع ترامب، حتى إن بن سلمان غاب عن هذه القمة ولم يكن حاضرًا بعد أن اعتذر رسميًا للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. لذلك، وبالرغم من أن السعودية حليفٌ مهم في البحر الأحمر لواشنطن، التي تعتبر الرياض شريكًا أساسيًا في أمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب وموازنة النفوذ الإيراني، إلا أن الدور السعودي الآن في السودان لا يمكن لواشنطن أن تقبل به، لأنها تشعر أن الرياض أصبحت تتصرف كقوة مستقلة، وليس كحليف ينتظر التنسيق. ووجود حلفاء مؤثرين في المنطقة قد يحفّز واشنطن على الاستغناء، ويخلق تباعدًا استراتيجيًا قد لا يتوقف عند اختلاف الرؤية حول كيفية إنهاء الحرب في السودان.
طيف أخير:
لاـللحرب
قال قائد كتائب “البراء بن مالك”، المصباح أبو زيد: للشرق كثير من المواقف والأفكار التي كنت أتبناها في السابق، وصلتُ اليوم إلى قناعة راسخة بأنها تحتاج إلى مراجعة حقيقية. مواقفي وأفكاري السابقة ربما تحتاج إلى إعادة نظر من الجذور لتكون أكثر تطورًا وتماشيًا مع الواقع. النضج هو امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن بعض قناعاتنا القديمة لم تعد تعبّر عن رؤيتنا اليوم. المرحلة القادمة بالنسبة لي تحتاج إلى رؤية جديدة ومنهج مختلف وعقل أكثر انفتاحًا.. لا أتنكر للماضي لكن أتعلم منه وأتجاوزه». السبت على الأطياف: هل يجب الاعتراف بالقناعات القديمة أم بالجرائم التي ارتكبتها البراء؟ ومن الذي يتجاوز الألم: صاحبه أم المتسبب فيه؟ وهل هذه توبة أم طموح جديد!