أعمدة ومقالات

الفوضى الأمنية.. النتيجة الحتمية للعسكرة والتسليح وانهيار الدولة

د الأمين بلال مختار
*alaminmukhtar@hotmail.com

إن ما نشهده اليوم من تنامٍي مخيف في جرائم القتل والنهب والسرقات المسلحة والاختطاف والفوضى في المدن والقرى، ليس ظاهرة عابرة ولا انفلاتاً أمنياً عادياً، بل هو نتيجة طبيعية وحتمية للعسكرة والتمليش والتسليح العشوائي، في ظل انهيار كامل للدولة بسبب الحرب.

أولاً: العسكرة أنتجت الفوضى
حولت الحرب كل السودان إلى معسكر كبير. السلاح أصبح أرخص من الخبز، وكل جهة وكل قبيلة وكل حي أصبح له مليشيا تحميه. عندما توزع السلاح على كل من هب ودب تحت لافتة الاستنفار والمقاومة، فلا تسأل بعد ذلك عن النهب والقتل. من زرع السلاح، حصد الفوضى. العسكرة لا تنتج أمناً، بل تنتج أمراء حرب يقتاتون على الفوضى.

ثانياً: الانهيار الاقتصادي يغذي الجريمة
اقتصاد منهار بالكامل، لا إنتاج، لا تصدير، لا مصانع، لا مزارع، لا وظائف. تضخم جنوني وغلاء معيشي لا يطاق، والمواطن لا يملك قوت يومه. ماذا تنتظر من شاب جائع وعاطل ولا يرى مستقبلاً؟ عندما يموت الإنتاج، يصبح السلاح هو وسيلة العيش. السرقة والنهب لم تعد في نظر البعض جريمة، بل أصبحت مهنة فرضتها ظروف الحرب.

ثالثاً: انعدام الخدمات وغياب الدولة
لا كهرباء، لا ماء، لا مستشفى، لا شرطة تحمي، لا قضاء يحاسب. المواطن ترك وحيداً يواجه مصيره في الظلام. عندما تغيب الدولة وتنعدم
الخدمات، يصبح المجرم هو سيد الشارع. الأمن لا يتحقق بالبيانات العسكرية ولا بالحملات التفتيشية، بل بدولة حاضرة تقدم الخدمات وتطبق القانون على الجميع.

الخلاصة التي لا بد منها:
لن تستقيم الأوضاع الأمنية والمعيشية بالحلول الأمنية الجزئية، ولا بمزيد من التجنيد والتسليح. الأمن لا يعود بسلاح جديد، بل بسلام جديد.

الطريق واحد وواضح: وقف الحرب فوراً عن طريق التفاوض والسلام، ثم التوافق الوطني الحقيقي بين المدنيين، ثم حكم مدني ديمقراطي يبني المؤسسات، ويعيد الشرطة لخدمة الشعب، والقضاء المستقل، والاقتصاد المنتج.

بدون وقف الحرب، سنبقى ندور في نفس الدائرة المغلقة: حرب تنتج فوضى، وفوضى تنتج حرب.

ولا يصح إلا الصحيح وبس

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة