أعمدة ومقالات

حين تعبر الحرب حدودها.. لا تعود ملكاً لمن أشعلها، ولا تعرف النار وطناً حين تجد حطباً جديداً.

أحمد عثمان جبريل

تقول الحكاية التي ترويها كتب التاريخ:” إن أوروبا عاشت في القرن السابع عشر حرباً بدأت شرارتها من صراع ديني وسياسي في بوهيميا، ثم خرجت النار من موقدها الأول، ودخلت فيها ممالك وإمبراطوريات، لكل واحدة حساباتها ومصالحها وتحالفاتها. ومع كل طرف جديد، اتسعت الحرب، وتبدلت أسبابها، حتى صار الصراع الذي بدأ محلياً حرباً أوروبية طويلة، وأصبح إطفاء النار أصعب من إشعالها”.

تلك ليست حكاية أوروبا وحدها.. إنها حكاية الحرب حين تغادر حدودها.

(1)
السودان يقف اليوم أمام لحظة لا يجوز المرور عليها كخبر عابر. فبحسب الرواية التشادية، قصفت طائرات ومسيّرات مرتبطة بالجيش السوداني رتلاً داخل الأراضي التشادية في إقليم إنيدي الشرقي، على عمق يتجاوز مئة كيلومتر من الحدود. ويقول السودان إن ما استُهدف كان إمدادات وتحركات للدعم السريع.. وبين الروايتين تقف الحقيقة الأخطر:” الحرب السودانية لامست أرض دولة أخرى، والاتحاد الأفريقي حذّر من أن يمتد النزاع خارج حدود السودان”.

(2)
هنا السؤال الذي يجب ألا يضيع في دخان المعركة: “إذا كان الجيش السوداني قد رصد خطوط إمداد للدعم السريع قادمة من تشاد، فلماذا لم ينتظر عبورها إلى الأراضي السودانية ليضربها هناك؟ لماذا اختار أن يضربها داخل أراضي دولة أخرى؟”.. نحن لا نملك جواباً قاطعاً، ولا ندّعي معرفة النيات.. لكن السؤال حق جوهري في التحليل. فاستهداف الإمداد داخل السودان يبقي الحرب في مسرحها، أما ضربه خارج الحدود فيحوّل العملية العسكرية إلى أزمة سيادة، ويمنح الدولة المستهدفة مبرراً للرد، ويفتح الباب أمام تدخلات جديدة.. وهنا مكمن الخطر.

(3)
ومن هنا يولد السؤال الأشد إلحاحاً:” من يفكر للجيش السوداني؟ هل القرار العسكري جزء من استراتيجية لإنهاء الحرب، أم أن الحرب نفسها بدأت تتحول إلى استراتيجية؟”.. لا نقول إن هناك قراراً مكتوباً لإشعال الإقليم؛ فلا دليل يثبت ذلك..
لكن من حقنا أن نختبر الفرضية بالوقائع:” ماذا لو كان اتساع الحرب يخدم من يخشى نهايتها؟ ماذا لو أصبح نقل الضغط إلى الخارج جزءاً من تصور يرى في الحرب طريقاً للبقاء في السلطة؟

(4)
فالحركة الإسلامية، التي يربط خصومها بينها وبين نفوذ متزايد داخل مؤسسات الدولة والحرب، تواجه معادلة لا تخفى:”نهاية الحرب تعيد السياسة إلى الواجهة، والسياسة تعيد سؤال السلطة والمحاسبة والمستقبل”.. أما استمرارها فيجعل الأمن يتقدم على السياسة، ويمنح خطاب التعبئة والحماية مساحة أوسع.. وإذا اتسعت الحرب إلى الخارج، صار السلام أكثر تعقيداً، وأصبح الخروج من المشهد أصعب.. هنا لا نقدم اتهاماً نهائياً.. وإنما نضع أمام الوقائع فرضية تستحق السؤال:” هل إطالة الحرب غاية، وهل تمددها الإقليمي يصبح وسيلة؟”.

(5)
والخطر أن السودان لا يعيش في فراغ.. تشاد غرباً، وأفريقيا الوسطى جنوب غرب، وليبيا شمال غرب، ومصر شمالاً.. وكل واحدة تحمل هشاشتها وحساباتها ومصالحها.. وتشاد نفسها ليست جزيرة معزولة؛ ففرنسا انسحبت عسكرياً منها، لكن مصالحها في الساحل لم تختفِ، وأفريقيا الوسطى تقع بدورها في شبكة تنافس إقليمي ودولي.. وفي ليبيا، حيث الانقسام والسلاح والحدود الرخوة، يمكن أن يتحول اضطراب السودان إلى امتداد جديد للفوضى.

(6)
أما مصر، فلا تستطيع أن تنظر إلى السودان كحريق بعيد.. القاهرة تؤكد أن وحدة السودان وسيادته واستقراره من صميم أمنها، وتتحرك دبلوماسياً مع واشنطن بشأن السودان وليبيا ومنع اتساع الصراع. ثم هناك الإنسان الذي لا يظهر في خرائط الجيوش(اللاجئ السوداني) الذي فر من النار إلى تشاد، فإذا بالنار تقترب من ملجئه.. إلى أين يفر بعد ذلك؟ تشاد مضطربة، ليبيا منقسمة، وجنوب السودان هش.. وقد تصبح مصر آخر أبواب النجاة، وأثقلها كلفة.

(7)
وهنا تعود بنا حكاية أوروبا القديمة. لتبقى حاضرة غي هذا الواقع.. لم تصبح حرب الثلاثين عاماً أوروبية في يوم واحد؛ دخلتها القوى واحدة بعد أخرى، وكل قوة جاءت بمبررها ومصلحتها، حتى صار لكل طرف سبب للبقاء، وصار التراجع أصعب من التقدم. والتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يترك إشاراته لمن يريد أن يقرأ: شرارة داخلية، ثم حدود، ثم حلفاء، ثم خصوم جدد، ثم حرب أكبر من أصحابها.

فهل نحن أمام الطريق ذاته؟..
إذا كانت حرب السودان قد عجزت عن حسم السودان، فهل بدأت تبحث عن حسم خارج السودان؟ وإذا كان ضرب الإمداد هو الهدف، فلماذا لم يكن داخل أرض الحرب؟ ليعود السؤال تأكيده.. من يفكر للجيش، ومن يرسم له حدود المعركة؟ ..
ثم من يضمن ألا تصبح تشاد جبهة، وليبيا ممراً، وأفريقيا الوسطى ساحة، ومصر خط دفاع؟

لذا نقول : أخطر ما في الأمر أن كل طرف قد يدخل الحرب بحجته.. ثم تصبح حجة الرد وقوداً لرد آخر، حتى يجد الإقليم نفسه في حرب لم يختر بدايتها.

كانت أوروبا تحترق ذات يوم لأن النار خرجت من بوهيميا، ثم وجدت في القارة كلها أبواباً مفتوحة.. واليوم يقف السودان أمام باب جديد.. فهل سنغلقه قبل أن تتحول الحرب من مأساة سودانية إلى حريق إقليمي؟

ومضة:

❝لا يخيفنا أن تبدأ الحرب.. بقدر ما يخيفنا أن تجد، بعد بدايتها، من يفتح لها الأبواب.❞

التوقيع ..

أفق يترفق باتساعه ليقول: نكتب ما تقوله الوقائع.. وإذا عجزت الوقائع عن الإجابة، نترك للسؤال أن يقول ما يجب أن يُقال.
إنا لله ياخ .. الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة