أعمدة ومقالات

أن لم يكن الهدف الرئيس من الحوار تحقيق السلام... فهو مجرد مضيعة للوقت.. وقت لا يملك الشعب السوداني ترفه.

( 2 )

بقلم السفير الصادق المقلي

إن أزمة الحوار لا تتعلق فقط بالسؤال: ما الضمانات التي ستُقدم للمشاركين؟ وإنما بالسؤال الأكثر جوهرية: حوار من أجل ماذا؟ فإذا صح التصريح المنسوب إلى عضو اللجنة منير بأن وقف الحرب ليس من مهام اللجنة، وأن الحوار يمكن أن ينعقد بالتزامن مع استمرار الحرب، فإن هذه المسألة تتجاوز حدود الاختصاص الإداري للجنة إلى صميم معنى الحوار وجدواه. صحيح أن لجنة التهيئة ليست قيادة عسكرية ولا تملك وحدها قرار وقف الحرب، لكن هذا لا يعني أن الحوار السياسي نفسه يمكن أن يكون منفصلاً عن الهدف المركزي المتمثل في إنهاء الحرب.

السودان لا يملك ترف إضاعة الوقت في حوار سياسي يجري على هامش أكبر كارثة يعيشها شعبه. فالحرب هي المشكلة الأولى، ووقفها هو الهم الأول للسودانيين وللقوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة. ولذلك لا يكفي أن يكون الحوار وسيلة للتشاور حول مستقبل السودان؛ بل يجب أن يكون جزءاً من عملية سياسية متكاملة غايتها إنهاء الحرب ووضع الأساس لسلام مستدام…
ولهذا لا بد أن يوازي المسار السياسي مسار عسكري وأمني واضح ومتكامل. وهذه، في تقديري، من أهم النقاط التي يفتقر إليها مقترح الحوار بصورته الحالية.

فإجراءات بناء الثقة ينبغي أن تشمل، بالتوازي مع المسار السياسي، هدنة إنسانية يتبعها وقف شامل لإطلاق النار، ثم ترتيبات أمنية تفضي في نهاية المطاف إلى جيش وطني واحد، مهني، موحد، ومحصن مؤسسياً من أي اختراق حزبي أو جهوي.

المقصود هنا ليس أن تتولى لجنة الحوار وقف الحرب، وإنما أن يكون واضحاً أن هناك مسارين متلازمين ومتكاملين: مساراً سياسياً يعالج جذور الأزمة ويقود إلى التوافق الوطني، ومساراً عسكرياً وأمنياً يوقف القتال ويضع ترتيبات إنهاء الحرب وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ووطنية.
فلا يمكن بناء سلام مستدام بعملية سياسية تتجاهل البندقية، كما لا يمكن إنهاء الحرب بصورة مستقرة من دون معالجة سياسية لجذورها. المسار السياسي والمسار العسكري والأمني ليسا بديلين عن بعضهما، وإنما وجهان لعملية واحدة هدفها إنهاء الحرب وبناء الدولة.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش حول الحوار أكثر وضوحاً: ليس المطلوب من المعارضة أن تدخل حواراً لمجرد الحوار، ولا من الدولة أن تقدم ضمانات شكلية لمشاركة الخصوم. المطلوب هو أن تتوافر غاية واضحة، وضمانات موثوقة، ومساران متلازمان يقودان في النهاية إلى وقف الحرب وبناء السلام والدولة الوطنية.
حتى إذا شُطبت البلاغات نهائياً، سيظل السؤال قائماً: ماذا سنفعل في الحوار؟
أما إذا كانت الغاية واضحة، والضمانات حقيقية، والمساران السياسي والعسكري ـ الأمني يسيران بصورة متزامنة نحو إنهاء الحرب، فإن الحوار يصبح فرصة حقيقية ينبغي ألا تضيع.

أما أن يكون حواراً سياسياً يجري بينما تستمر الحرب، ومن دون تصور واضح لكيفية إنهائها، فذلك ما يهدد بتحويله من أداة لإنقاذ السودان إلى مجرد مسار إضافي يستهلك الوقت.
والسودان اليوم لا يحتمل مزيداً من إضاعة الوقت
المشكلة ليست فقط في الضمانات، بل في أن مقترح الحوار ــ بصورته الحالية ــ يفتقر إلى مسارين متلازمين:
ولا يكفي أن نقول إن الحوار السياسي يجب أن يستهدف إنهاء الحرب؛ بل لا بد أن يوازي هذا المسار السياسي مسار عسكري وأمني واضح ومتكامل، لأن الحرب لا تتوقف بالبيانات السياسية وحدها، ولا يمكن أن تنجح أي عملية سياسية بينما تظل البنادق مفتوحة والعمليات العسكرية مستمرة.
ومن هنا، ينبغي أن تكون إجراءات بناء الثقة مدخلاً متزامناً في المسارين السياسي والعسكري، تبدأ بهدنة إنسانية جادة تتيح وصول المساعدات إلى المدنيين ووقف استهداف المناطق المأهولة، وتتطور إلى وقف شامل لإطلاق النار، ثم إلى ترتيبات أمنية متوافق عليها تنهي حالة تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، وتضع أساساً لإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على قواعد وطنية ومهنية.
فالغاية النهائية لا ينبغي أن تكون مجرد إسكات المدافع مؤقتاً، وإنما الوصول إلى جيش وطني واحد، مهني، موحد العقيدة والقيادة، ومحصن دستورياً ومؤسسياً من أي اختراق حزبي أو جهوي، بحيث لا تعود المؤسسة العسكرية أداة في الصراع السياسي، ولا يصبح الانتماء الحزبي أو الجهوي مدخلاً إلى بنية القوات النظامية.
وهنا تحديداً تتضح العلاقة العضوية بين المسارين السياسي والعسكري: المسار السياسي يعالج جذور الأزمة، والمسار العسكري والأمني يهيئ البيئة اللازمة لإنهاء الحرب ويؤسس لضمانات عدم عودتها. ولا يصح أن يسير أحدهما بمعزل عن الآخر.
ولذلك فإن القول إن وقف الحرب ليس من مهام الحوار يحتاج إلى تدقيق شديد. صحيح أن لجنة التهيئة ليست قيادة عسكرية ولا تملك قرار وقف العمليات، لكن ذلك شيء، والقول إن الحوار نفسه يمكن أن يكون منفصلاً عن هدف إنهاء الحرب شيء آخر تماماً. المطلوب ليس أن تقوم اللجنة بإيقاف الحرب، وإنما أن تهيئ لحوار تكون وظيفته السياسية الأساسية المساهمة في إنهائها، بالتوازي مع مسار عسكري وأمني واضح.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار لإدارة التعايش مع الحرب، وإنما إلى حوار يقود إلى إنهائها. وأي عملية سياسية لا تضع الهدنة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والترتيبات الأمنية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية الوطنية ضمن صلب أجندتها، ستظل معرضة لأن تتحول إلى مسار منفصل عن المأساة التي يعيشها السودانيون.
فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق الجلوس إلى طاولة الحوار ليس فقط: من سيشارك؟ وإنما أيضاً: إلى أين يقود هذا الحوار؟
إذا كان يقود إلى إنهاء الحرب وبناء دولة ومؤسسات وطنية، فذلك حوار يستحق أن يُدعم ويُحمى ويُنجح. أما إذا كان مجرد مسار سياسي يجري بينما تستمر الحرب على الأرض، فإن السؤال عن جدواه سيظل قائماً، مهما بلغت جودة الترتيبات الشكلية التي تحيط به.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة