الحوار غاية وطنية، ولا خلاف على ذلك. لكن الخلاف كل الخلاف على طبيعة هذا الحوار وهدفه ومن يديره. فالحوار يجب ألا يكون هدفه شرعنة عسكرة السياسة، ولا مزيداً من الترضيات والمجاملات والأثمان السياسية على حساب الوطن.
ما يحدث اليوم أن البعض يهرف بما لا يعرف، ويطالب الناس بقبول ما يسمى بـ “الحوار السوداني – السوداني” على علاته، حتى أصبح مدعاة للعبث. حوار بلا ضوابط، بلا أسس، بلا أطراف واضحة، وبلا أجندة محددة، مما يفاقم المشكلة الوطنية ويعقدها أكثر.
إن عدم إدراك حجم الانقسام الذي يعيشه الوطن – انقسام جهوي وقبلي وسياسي وعسكري واجتماعي – وعدم إدراك خطورة ما يهدد سلامته واستقراره ووحدته، هو ما يجعل البعض يتعامل مع الحوار كشعار للاستهلاك.
أولاً: لماذا يتحول الحوار إلى عبث؟
من منظور علمي، يفشل أي حوار إذا افتقد لثلاثة أركان:
استقلال الإرادة: لا يمكن أن يدير الحوار أحد أطراف الحرب. الخصم لا يمكن أن يكون حكماً. فعندما يدير من أشعل الحرب حوار السلام، فهو يتحكم في إدارته وشروطه وآلياته وبنوده وحتى مخرجاته، ليضمن نتيجة واحدة: بقاءه في السلطة. وهذا ما يجري في حوار بورتسودان.
وضوح الهدف: هل هدف الحوار هو حل الأزمة أم إدارتها؟ الحوار العبثي هدفه إدارة الأزمة عبر الترضيات: ترضية قائد مليشيا بمنصب، وترضية زعيم قبلي بوزارة، وترضية جنرال بالرئاسة. أما الحوار المنتج فهدفه حل الأزمة من جذورها، وجذورها هي عسكرة الدولة وتمليش المجتمع.
تحديد الأطراف: ليس كل من حمل السلاح شريكاً في الحوار الوطني. هناك فرق بين مسارين:
مسار وقف الحرب: طرفاه هما من يحملان السلاح، ومكانه طاولة التفاوض العسكري.
مسار الحوار الوطني: أطرافه هم المدنيون أصحاب المصلحة الحقيقية في بناء الدولة: القوى السياسية، النقابات المهنية، لجان المقاومة، منظمات المجتمع المدني، النازحون واللاجئون أنفسهم.
الخلط بين المسارين هو ما يشرعن العسكرة.
ثانياً: ما هو الحوار المنتج ذو المصداقية؟
يبقى التحدي الحقيقي في وجود حوار منتج ذي مصداقية، وهذا لا يتحقق إلا بخمسة شروط منطقية ومقنعة:
الشرط الثاني: أن تكون أجندته جذرية لا ترضوية. لا يتحاور حول تقسيم الحقائب، بل حول:
كيف نوقف الحرب ونفصل القوات؟
كيف نفكك كل المليشيات ونبني جيشاً قومياً مهنياً واحداً؟
كيف نعيد بناء مؤسسات الدولة القومية؟
كيف نحقق العدالة ونجبر ضرر الضحايا؟
الشرط الثالث: أن يكون علنياً وشفافاً. الحوارات التي تدار في الغرف المغلقة والصفقات الثنائية لا تنتج وطناً، بل تنتج محاصصة.
الشرط الرابع: أن يملك ضمانات تنفيذ. ما قيمة مخرجات حوار بلا آلية ملزمة لتنفيذها؟ يجب أن ترتبط مخرجاته بجدول زمني وضمانات دولية ووطنية.
الخلاصة
نحن لسنا ضد الحوار، بل نحن معه كغاية وطنية مقدسة. لكننا ضد تحويله إلى أداة لشرعنة عسكرة السياسة.
الحوار الذي يقبل به الشعب السوداني ليس حوار المجاملات والأثمان، بل هو الحوار الذي ينهي إلى الأبد مشروع عسكرة السودان، ويستعيد الفضاء المدني الذي دُمّر، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية قومية.
وما دون ذلك فهو عبث يفاقم الانقسام ويطيل أمد الحرب.