أعمدة ومقالات

السودان ساحة إبادة صامتة والعالم يدير ظهره صامتاً

بقلم/ إيهاب الأمين

حين تتحدث مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن طمس الأدلة في السودان فإنها في الواقع تصف جريمة مركبة تتجاوز الانتهاك ذاته لتصل إلى محو ذاكرة الجريمة برمتها فما يحدث في هذا البلد المنكوب ليس مجرد حرب أهلية تقليدية بل هو مشروع تدمير ممنهج لشعب بأكمله يجري تنفيذه تحت أنظار مجتمع دولي اختار الصمت خياراً استراتيجياً لا عجزاً عابراً فمنذ اندلاع الصراع في أبريل من العام الماضي بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان حميدتي تحول السودان إلى مسرح لأكبر كارثة إنسانية في العالم وفقاً لتقارير برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية حيث نزح أكثر من عشرة ملايين شخص من ديارهم ولقي عشرات الآلاف حتفهم في معارك طاحنة ومجازر عرقية لا تفرق بين مدني ومقاتل.
إن التحذير الذي أطلقته المتحدثة باسم المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن ضياع الأدلة يعكس واقعاً مريراً يتجلى في انقطاع الاتصالات وعزل مناطق بأكملها عن العالم الخارجي وهو ما يعني عملياً أن الجرائم ترتكب بعيداً عن المحاسبة والمساءلة فحين تنقطع شبكة الاتصالات في دارفور لأسابيع متتالية فإن ذلك ليس عطلاً تقنياً بل هو جزء من استراتيجية حربية تهدف إلى إخفاء الفظائع عن أعين المراقبين الدوليين وحرمان الضحايا من أي وسيلة لتوثيق ما يتعرضون له من قتل واغتصاب وتشريد.
وتكشف تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش عن نمط مروع من الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوات الدعم السريع بشكل خاص في إقليم دارفور حيث أعادت هذه القوات إحياء شبح الإبادة الجماعية الذي ظن العالم أنه دُفن إلى الأبد بعد مأساة دارفور في مطلع الألفية فقد وثقت هذه المنظمات مجازر مروعة في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور استهدفت بشكل منهجي قبيلة المساليت حيث أُعدم مدنيون عزل في الشوارع وأُحرقت أحياء بأكملها ودفنت جثث الضحايا في مقابر جماعية سرية قبل أن تتاح لأي جهة مستقلة فرصة التحقيق في ملابساتها ولا تقتصر الجريمة على القتل المادي بل تمتد إلى استخدام العنف الجنسي سلاحاً حربياً منظماً إذ وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية مئات الحالات من الاغتصاب الجماعي والعنف الجنسي التي استهدفت نساء وفتيات في الخرطوم ودارفور وولايات أخرى وهو نمط يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الحروب في رواندا والبوسنة حيث يصبح جسد المرأة ساحة معركة إضافية يراد من خلالها إذلال جماعة عرقية بأكملها وكسر إرادتها وتهجيرها قسرياً من أرضها.
إن قراءة المشهد السوداني بعمق تقتضي تجاوز السرد السطحي الذي يختزل الصراع في خلاف بين جنرالين على السلطة فالأمر في جوهره صراع على الموارد والثروة والهوية في بلد يعاني من تركة استعمارية ثقيلة وتراكمات عقود من الحكم العسكري والإهمال المتعمد للأطراف على حساب المركز فقوات الدعم السريع التي نشأت أصلاً كمليشيات الجنجويد سيئة السمعة تحولت إلى إمبراطورية اقتصادية تسيطر على مناجم الذهب وتجارة السلاح والتهريب عبر الحدود بينما يمثل الجيش السوداني بنية الدولة العميقة التي احتكرت السلطة والموارد منذ عام 1989 والصدام بينهما هو صدام بين نموذجين من النهب لا يختلفان في الجوهر بل يتنافسان على من يحق له نهب السودان وحده ولا يمكن فهم استمرار هذه الحرب دون النظر إلى الدور الإقليمي والدولي الذي يغذيها بالوقود والسلاح والمال فقد كشفت تقارير صحفية استقصائية وتحقيقات أممية عن تورط دول إقليمية كبرى في تزويد أطراف النزاع بالأسلحة والتمويل والدعم اللوجستي حيث تشير أصابع الاتهام إلى الإمارات العربية المتحدة التي تُتهم بدعم قوات الدعم السريع عبر مسارات لوجستية تمر عبر تشاد وليبيا بينما تتلقى قوات الجيش السوداني دعماً من مصر وإيران مما يحول السودان إلى ساحة بالوكالة تتصارع فيها أجندات إقليمية متضاربة على حساب دماء الشعب السوداني الفضل، أما الموقف الدولي الرسمي فيبقى محكوماً بازدواجية صارخة ونفاق مؤسسي فمجلس الأمن الدولي الذي يُفترض أنه الحارس الأول للسلم والأمن الدوليين عجز عن إصدار قرار ملزم واحد يوقف هذه المجزرة واكتفى ببيانات خجولة ونداءات إنسانية لا تغني من جوع بينما تتنافس القوى الكبرى على مصالحها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وتتعامل مع الكارثة السودانية كهامش ثانوي في أجنداتها الجيوسياسية وهو ما يكشف عن حقيقة قاسية مفادها أن حياة الإنسان الأفريقي لا تزال رخيصة في ميزان السياسة الدولية.
إن طمس الأدلة الذي حذرت منه المفوضية السامية ليس مجرد عائق إجرائي أمام العدالة بل هو جريمة بحد ذاته لأن تدمير الأدلة يعني عملياً منح الجناة صك براءة مسبقاً وضمان إفلاتهم من العقاب وهو ما يفتح الباب أمام تكرار هذه الفظائع في المستقبل القريب فالتاريخ يعلمنا أن الإفلات من العقاب هو الوقود الحقيقي لكل إبادة لاحقة وأن كل مجزرة لم يحاسب مرتكبوها تكون بمثابة دعوة مفتوحة لمجرمي الحرب القادمين ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً هو متى يدرك المجتمع الدولي أن ما يحدث في السودان ليس أزمة إنسانية عابرة يمكن احتواؤها بالمعونات الغذائية والمخيمات المؤقتة بل هو عملية إبادة بطيئة ومنظمة تستهدف تصفية وجود مجموعات عرقية بأكملها وتغيير التركيبة الديموغرافية لأقاليم شاسعة بالقوة الغاشمة وأن كل يوم يمر دون تدخل حاسم يعني مزيداً من الجثث في المقابر الجماعية ومزيداً من الأدلة المندثرة ومزيداً من الأرواح التي كان يمكن إنقاذها لو أن العالم قرر أن السودان يستحق أكثر من التعاطف الكلامي والبيانات المستنكرة.
إن السودان اليوم هو امتحان حقيقي لضمير البشرية ولمصداقية النظام الدولي بأكمله فإن سقط هذا البلد في هاوية الإبادة والنسيان فإن السقوط لن يكون سودانياً وحده بل سيكون سقوطاً أخلاقياً لكل من ادعى يوماً أنه يؤمن بحقوق الإنسان والعدالة الدولية وستكون الأدلة المطموسة شاهدة صامتة على عار لن يمحوه الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة