أعمدة ومقالات

"تحالف نفرة" في الفاو.. الحقوق كذبة والتنمية واجهة لعسكرة السياسة

د. الأمين بلال مختار

alaminmukhtar@hotmail.com

ما حدث في الفاو من لقاء تنويري لما يسمى “التحالف القومي للحقوق والتنمية – نفرة” بقيادة عبدالعزيز بشير والطيب جودة وصديق أبوسبيب وسعيد السيد منبر البطانة، ليس تبشيراً بالحقوق ولا تعريفاً بالتنمية، بل هو احتيال سياسي مكتمل الأركان.

هذه المجموعة هي امتداد لمشروع استمرار الحرب، ووظيفتها الأساسية هي:

خلق أجسام جهوية وقبلية مصطنعة: لا تمثل الفاو ولا البطانة، بل تمثل نفسها. تريد أن تدخل كابينة الحكم في بورتسودان ليس عبر الانتخاب ولا عبر التفويض الشعبي، بل عبر التحالف مع العسكر. تقدم للبرهان خدمة التطبيل وشرعنة الحرب، مقابل مقعد وزاري أو منصب والي.

تملييش الحياة السياسية: هذا هو شغل التملييش بعينه. تحويل قضية الحقوق والتنمية من قضايا مطلبية مدنية يمثلها المزارعون والمعلمون والمهنيون، إلى قضايا قبلية وجهوية يمثلها أمراء حرب وعمد مصطنعون. هذا يعني عسكرة كل شيء، حتى التنمية.

تغذية الاستبداد والتقسيم: عندما تعسكر الحقوق، أنت لا توحد الناس، بل تقسمهم. تزرع الفتنة بين مكونات المنطقة الواحدة، وتغذي الصراع الاجتماعي، وهذا هو جوهر نهج الاستبداد: فرق تسد.

وما هو شغل الأمير جودة الحقيقي؟

الأمير الطيب جودة لا يعمل وحده. هو يدور بنفس الدكان من بورتسودان إلى القضارف إلى الفاو، تحت مزاعم ولافتات كثيرة ومتناقضة: مرة باسم “تحالف الوسط” ومرة باسم “تحالف الجزيرة” ومرة باسم “تحالف الشمال” ومرة باسم “تحالف نفرة” – وهي كلها دكاكين سياسية بلا عضوية ولا جذور، تفتح وتقفل حسب الموسم السياسي وحسب دفع الممول.

والأخطر أن هذا الشغل يتم بالتنسيق الكامل مع ما يسمى “المقاومة الشعبية” وهو الجسم الذي يسيطر عليه الكيزان بالكامل، ومعه جماعة “معاكم معاكم” – الإمعات – الذين لا موقف لهم ولا مبدأ، فقط مع من غلب. هؤلاء هم أدوات رخيصة يتم استدعاؤها للتصفيق والتطبيل عند الحاجة، ليظهروا أن هناك حاضنة شعبية للحرب.

خطورة نهج التقسيم: تكرار نموذج دارفور في الوسط

وهنا مكمن الخطورة الحقيقية التي يجب أن ينتبه لها أهل الفاو والجزيرة والبطانة.

ما يجري الآن من خلق صراعات على أساس الاصطفافات القبلية والجهوية، هو نفس النموذج الذي فعلته الإنقاذ بدارفور. بدأت هناك بسياسة فرق تسد، وصنعت مليشيات قبلية، ووزعت السلاح على أساس قبلي، وكانت النتيجة حرب أهلية شاملة وجرائم إبادة وتطهير عرقي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

اليوم يراد استنساخ نفس النموذج القذر في الوسط والجزيرة، حيث يأتي كيكل ليطرح نفسه – قولاً وفعلاً – للجزيرة، أو بالأحرى للوسط كله.

من فوض كيكل ليتحدث باسم الجزيرة؟ لا أحد.
من فوض الطيب جودة ليتحدث باسم البطانة؟ لا أحد.
من فوض سعيد السيد أو عبدالعزيز بشير ليتحدثوا باسم الفاو؟ لا أحد.

هم يفرضون أنفسهم بقوة السلاح وبتمويل الكيزان، ويستغلون طيبة أهلنا وبساطتهم ليبيعوا بهم في بازار بورتسودان.

وهذا يكشف الحقيقة الكبرى: السلاح الهدف منه لدى جميع الأطراف هو الانفراد بالمشهد الوطني وبالقوة.

حكومة الأمر الواقع في بورتسودان تستمد وجودها من البندقية، وعلى رأس ذلك البرهان ومناوي وجبريل. لم يأتوا بصندوق انتخابات ولا بإجماع وطني، جاءوا بفوهة البندقية.

وناس كيكل حتى التوم هجو والأمير جودة دخلوا السوق بنفس الفهم: من يملك مليشيا يملك مقعداً في السلطة. السلاح أصبح هو بطاقة الدخول إلى كابينة الحكم. هذه ليست حقوق ولا تنمية، هذه بازار بندقية، كل تاجر فيه يريد أن يحجز لنفسه موقعاً في دولة ما بعد الحرب بالقوة، لا بالشرعية.

ومن يقف خلف كل ذلك؟

الكيزان. الحركة الإسلامية هي المهندس الحقيقي لهذه الواجهات. بعد أن سقطت واجهة المؤتمر الوطني، أصبحت تحكم عبر واجهات جديدة بأسماء براقة. الواجهة شكلها قبلي، لكن القرار والعقل والتمويل كيزاني عسكري بامتياز.

أهل الفاو حقوقهم معروفة: أرض، وماء، وتعليم، وصحة. وهذه لا تأتي عبر تحالفات العسكر والكيزان وجماعة معاكم معاكم، بل تأتي عبر دولة مدنية تنهي الحرب وتضع التنمية في يد أهلها، لا في يد سماسرة الحرب وتجار الأجسام المصطنعة.

ولا يصح إلا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة