د. الأمين بلال مختار September/30/2026 alaminmukhtar@hot mail .com
يقتات تجار الحرب على طحين مجاني قوامه الدم السوداني المراق، إذ يحيلون الموت الرخيص إلى رأسمال سياسي يوظفونه سبيلا إلى تحقيق مشروع البرهان وحلفائه من فلول النظام البائد، الرامي إلى الاستئثار بالمشهد السياسي وإعادة إنتاج الدولة القديمة بقناع عسكري مستحدث وشعارات مستهلكة.
لقد رخص الدم السوداني إلى حد مفزع، فغدا الشباب حطبا لهذه المحرقة من كل الأطراف المتقاتلة، من الجيش وقوات الدعم السريع إلى المليشيات والكتائب المتحالفة معهما. مأساة ممتدة لا تعرف التوقف: نزوح بالملايين داخل البلاد وخارجها، وجوع يفتك بالأسر، وانهيار شامل لمؤسسات الدولة من تعليم وصحة وخدمات، وضياع لأجيال كاملة كان يفترض أن تبني المستقبل فإذا بها تدفن في مقابر جماعية أو تتبدد في معسكرات اللجوء.
وليست هذه حرب كرامة كما يروج خطاب التضليل، بل حرب سلطة وغنيمة بامتياز. وقودها الفقراء والمهمشون في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والخرطوم والجزيرة وكافة بقاع الوطن، بينما يجلس تجارها في المكاتب المكيفة وخلف الشاشات يتاجرون بالشعارات الوطنية والدينية، ويتقاسمون المناصب والامتيازات والموارد فوق جماجم الضحايا، ويعيدون تدوير خطاب الكراهية لضمان استمرار الاستقطاب.
إن هذا الطحين المجاني الذي يقتاتون عليه اليوم ليس سوى معاناة الشعب السوداني وصمته المفروض بقوة السلاح وسطوة الدعاية. غير أن سنن التاريخ قاطعة في أن تجارة الدماء لا تستدام، وأن الأنظمة المؤسسة على القهر تتهاوى من داخلها، وأن الشعوب تنهض مهما طال ليل الاستبداد واشتدت وحشة الطريق.
ولا خلاص إلا بوقف فوري وشامل لإطلاق النار يليه مسار سياسي جاد، ومحاسبة مفتعلي الحرب والمتكسبين منها أمام قضاء عادل لا يستثني أحدا، وتفكيك منظومة تعدد الجيوش والمليشيات تفكيكا كاملا، وتأسيس جيش واحد مهني محترف بمنأى عن السياسة والاقتصاد، وإنجاز سلام عادل وشامل يعالج جذور الأزمة التاريخية في توزيع السلطة والثروة والهوية، وينصف الضحايا والنازحين ويعيد لهم حقوقهم وكرامتهم.ولايصح الا الصحيح وبس.