في السودان، ثمّة واقعةٌ لا تزال تقع؛ لا في ميادين القتال وحدها، إنما في البيوت التي غابت أبوابها، والمدن التي تبدّلت ذاكرتها، وفي الأزمات التي أخذ بعضها برقاب بعض، وفي الطرقات التي صار الخوف يعرفها أكثر من أهلها. واقعةٌ تُسقط من يد الإنسان شيئاً بعد شيء، حتى لا يبقى أمامه إلا السؤال: ماذا أستطيع أن أفعل؟ ثم يتلوه سؤالٌ أعمق: وماذا أفعل بما لا أستطيع أن أفعل؟ هنا ترفع سورة الواقعة مطرقتها: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾. المدهش أن القرآن لم يقل عندها: أفعلتم؟ لكنه قال: أفرأيتم؟ كأن المطرقة لا تهوي على الأيدي التي تفعل، إنما على الأعين التي ترى. ترى يدك تحرث، وهي لا ترى سرّ الإنبات؛ ترى الماء في الكف، ولا ترى الطريق الغيبي إليه؛ تشعل النار، ولا تملك سرّ النار. تفعل، ثم يغريك الفعل بأن تقول: ها أنا ذا، فتأتي مطرقة «أفرأيتم» لتشقّ هذه «الأنا» ذاتها من جوفها، لتقول لنا: أرأيتم ما وراء أيديكم؟ وفي السودان، ربما كان هذا أول ما ينبغي أن نراه: أننا نفعل، لكننا لا نملك بقاء ما نفعل. نحاول أن نبني ولا نملك تمام البناء، نثور ولا نملك طريق التغيير، نزرع ولا نملك شيئاً عند الحصاد، نفتح باباً ولا نملك من سيدخل منه، ونعمل من أجل وطنٍ ولا نملك الغيب الذي سيأتي به غده. فاليد مسؤولة، لكنها ليست ربّةً للنتيجة. المهم، هذه هي الفاعلية التي لا تتأله: أن تعمل بكل ما تستطيع، دون أن تتوهم أنك تملك النتائج في النهاية. ثم تهبط المطرقة على موضعٍ أشدّ وجعاً: «الذبابة»، ذلك الكائن الصغير الذي يكاد لا يلتفت أحد إليه، يضعه القرآن مباشرة في مواجهة غرور الإنسان: ﴿لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾. ثم لا يترك الضربة عند مسألة الخلق فقط، لكنه ينقلها إلى مستوى المُلك أيضاً: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾. تصوّر.. لا خلق، ثم سلب، ثم عجز عن استنقاذ ما سُلب! وهنا تدخل الواقعة السودانية في قلب الآية، كجرحٍ حيّ: فالحرب، في أحد أعمق وجوهها، سلبٌ؛ تسلب البيت من أهله، والطريق من سالكيه، والمدرسة من أطفالها، والمدينة من ضجيجها، والطمأنينة من القلوب، والإنسان من يقينه بأن الغد الذي ينتظره يشبه أمسه. ثم تتركه أمام السؤال الأصعب: ما الذي أستطيع أن أستنقذ؟ إذ إن بعض ما يُسلب لا يعود: وجهٌ غاب، بيتٌ احترق، عامٌ انقضى، طفولةٌ عبرت. أشياء لا تعيدها يد، لكن القرآن لا يعلّمنا الاستسلام للسلب، بل يضعنا عند الحد الفاصل بين المستحيل والممكن: ما الذي بقي؟ وما الذي يمكن استنقاذه؟ من هنا يبدأ الفعل. لكننا في الحقيقة لا نستطيع أن نردّ كل ما سُلب من السودان، غير أننا نستطيع أن نستنقذ من السودان إنساناً، وطفلاً، ومدرسةً، وكتاباً، وذاكرةً، ورحمةً، ولغةً، وربما غداً.
وفي هذه المسافة بين ما لا نستطيع وما نستطيع، تُولد المسؤولية. ثم تعود المطرقة من جديد للطرق: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. لم تنفِ الآية الرمي؛ لكنها قالت: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، فأثبتت اليد، ثم نزعت عنها وهم الاستقلال. وهنا يبدأ سرّ الفاعلية: أن تكون لك يدٌ في الأرض، وقلبٌ يعرف فقره، أن تستنقذ ما في يدك، دون أن تطلب من السماء أن تعيد لك كل ما سُلب. فالإنسان ليس صفراً حتى يقول: لا أستطيع، كما أنه ليس إلهاً حتى يقول: أنا أستطيع كل شيء. ومن هنا تأتي طرقة مباغتة أخري تقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾. انظر؛ إنه لم يقل: حين استغنى، بل قال: أن رآه استغنى؛ إذن فالمشكلة أصلاً في الرؤية. أن ترى يدك وتنسى افتقارها، وترى قوتك فتنسى مصدرها، وتستنقذ شيئاً فتتوهم أنك تستطيع إنقاذ كل شيء. من هنا يبدأ الإنسان تَأَلُّهاً؛ علامته «أنا»، ثم «أنا» وحدي. وحينئذٍ يصبح السودان نفسه ميداناً لصراع «الأنا» المتشاكسة؛ بينما السودان في الحقيقة ليس ملكاً لأحد: لا لمن يملك القوة، ولا لمن يملك الأبواق، ولا لمن يرفع اسمه أعلى فوق السحاب. السودان أمانة، والأمانة لا تقول: هذا لي، إنما تقول: هذا عندي، قبل أن تسأل صاحبها: ماذا فعلت بما عندك؟ لذلك لا يكون السؤال: كيف أنقذ السودان بأسره؟ فهذا سؤالٌ أكبر من اليد، ولا حتى: لا أستطيع شيئاً؛ فهذه يدٌ تقاصرت عن واجبها. لكن: ماذا أستطيع أن أستنقذ الآن؟ طفلاً من الجهل، قلباً من الكراهية، ذاكرةً من النسيان، إنساناً من اليأس، مدرسةً من الغياب، ومعنىً أثمن من أن يضيع تحت الركام. استنقذ ما تستطيع، إذ ربما لا نستطيع أن نردّ كل ما سُلب، لكننا نستطيع ألا نترك ما بقي يُسلب أيضاً. وهكذا يصبح «سودان الواقعة» ليس سودان الخراب، إنما هو سودان ما يبقى بعد الخراب: سودان طفلٍ ما زال يحلم، ومعلّمٍ ما زال يمسك طبشورةً، وأمٍّ تحرس في بيتها معنى الغد، وذاكرةٍ ترفض أن تموت، ويدٍ تبني بينما حولها يتنامى الهدم، وقلبٍ يقول: لن أعطي الحرب كل ما عندي. وهنا تنكشف «أفرأيتم» أخرى. ليست: أرأيتم ما تفعلون؟ لكن: أرأيتم ما بقي لكم؟ أرأيتم اليد التي لم ترتجف؟ والقلب الذي لم يتحوّل إلى حجر؟ والبذرة التي لم تمت تحت التراب؟ والإنسان الذي ما زال يمكن أن يقوم؟ وهنا تنكشف «أفرأيتم» أخرى. ليست: أرأيتم ما تفعلون؟ لكن: أرأيتم ما بقي لكم؟ أرأيتم اليد التي لم ترتجف؟ والقلب الذي لم يتحوّل إلى حجر؟ والبذرة التي لم تمت تحت التراب؟ والإنسان الذي ما زال يمكن أن يقوم؟ لعلّ مقامنا في هذه الواقعة أن نفعل وألا نتأله في ذات الوقت، أن نستنقذ ولا ندّعي امتلاك القدرة، أن نحزن لما سُلب ولا نسلّم ما بقي، أن نحب السودان ولا نتوهم أننا نملك مصيره؛ أن تكون لنا يدٌ في إنقاذه، وقلبٌ يفتقر إلى ربٍّ بيده هذا الإنقاذ نفسه. لذلك: ازرع، احمل، ابنِ، علّم، احفظ، ارفض، واحتج، ثم اترك الغيب لغيبه. فالسودان لا يحتاج منا أن نكون آلهةً كي ننقذه؛ يحتاج بشراً يرون ما سُلب، ويحفظون ما بقي، ويستنقذون ما يستطيعون. ربما كان هذا هو جواب «أفرأيتم» بالضبط: أن ترى، ثم أن تفعل، ثم أن تفتقر. فاليد التي تعرف حدّها قد تبني وطناً، والقلب الذي يعرف فقره لا يطغى بما في يده. ففي سودان الواقعة، تظل المطرقة معلّقةً فوق رأس كل وهم: أفرأيتم ما في أيديكم؟ ثم أرأيتم ما ليس فيها؟ أرأيتم ما سُلب؟ وأرأيتم ما بقي؟ ثم ماذا ستفعلون بما بقي؟ هذه هي الواقعة، وهذه هي مسؤولية كل مؤتمنٍ عليها: أن تستنقذ ما تستطيع، قبل أن يُسلب هذا المستطاع من بين يديك وأنت تطارد سراباً بقيعةٍ، تحسبه ماءً، حتى إذا جئته لم تجده شيئاً، ثم وجدت بلادك في كرب وضيق، ووجدت زمانها مسغبة.