أعمدة ومقالات

السودان والدائرة الشريرة

نبض قلم

عادل تاج الدين جار النبي
Consultant @ JARO Projects & Consulting

منذ الاستقلال، ظل السودان يدور في دائرة تكاد تحفظها الأجيال عن ظهر قلب: حكومة مدنية تتعثر، عسكر يتدخلون، نظام يشتد قبضه، شعب يثور، فترة انتقالية تبدأ بالأمل وتنتهي بالخلاف، ثم تعود البندقية مرة أخرى إلى واجهة السياسة.
من عبود إلى نميري، ومن البشير إلى انقلاب أكتوبر 2021، تغيرت الأسماء والشعارات، لكن السؤال بقي كما هو: متى يفهم العسكر أن مهمتهم حماية الدولة لا حكمها، ومتى يفهم السياسيون أن البندقية لا تصلح حكماً بين الخصوم؟
والإنصاف يقتضي ألا نحمّل المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية هذه الدائرة. فالسياسة السودانية أسهمت بدورها في صناعتها؛ بانقساماتها وصراعاتها واستقواء بعض أطرافها بالعسكر كلما ضاقت بها سبل المنافسة. ومن يستدعِ البندقية إلى مائدة السياسة، لا يملك بالضرورة أن يأمرها بالعودة إلى الثكنة متى شاء.
ثم تعقدت الأزمة أكثر حين اختلط السلاح بالمال والسياسة، وتعددت الجيوش ومراكز النفوذ، حتى وصلنا إلى حرب أبريل 2023؛ اللحظة التي لم تعد فيها الأزمة صراعاً على من يحكم الدولة فحسب، بل أصبحت تهديداً لبقاء الدولة نفسها.
ولذلك فإن عبارة «العسكر إلى الثكنات» على وجاهتها لا تكفي وحدها. فإلى أي ثكنات يعود العسكر إذا كانت البلاد تعج بالتشكيلات المسلحة؟ وكيف تقوم حكومة مدنية إذا كانت لا تحتكر السلاح ولا تسيطر على المال العام؟
الحل يبدأ من قاعدة لا تحتمل المساومة: دولة واحدة، جيش وطني واحد، وسلاح واحد تحت سلطة القانون. يتبع ذلك إخضاع المال العام لوزارة المالية، وإبعاد المؤسسات المسلحة عن النشاط التجاري غير الدفاعي، وإصلاح الأحزاب نفسها حتى تصبح مؤسسات ديمقراطية لا منصات للزعامات والصراعات الشخصية.
ثم نحتاج إلى دستور دائم يحدد بوضوح مكان العسكري ومكان السياسي، وإلى سلام يعالج جذور التهميش بدلاً من شراء صمت حملة السلاح بالمناصب، وإلى عدالة تحاسب من يجرم دون انتقام أو حصانة.
أما الانتخابات، فلا ينبغي أن تكون مجرد سباق جديد نحو القصر، بل خاتمة لعملية تأسيس تسبقها دولة قادرة على حماية صندوق الاقتراع من البندقية والمال والنفوذ.
لكن المسألة الأهم تبقى في وعينا نحن السودانيين. فالدولة لن تقوم ما دمنا نرفض الانقلاب عندما يأتي بخصومنا ونبحث له عن المبررات عندما يخدم حلفاءنا، أو ندين السلاح في يد الآخر ونراه مشروعاً حين يكون في يد من نناصره.
الدولة تبدأ عندما نرفض الخطأ حتى عندما يخدم مصالحنا.
بعد كل هذه العقود، لم يعد السؤال: من سيحكم السودان بعد الحرب؟
السؤال الذي يستحق أن يشغلنا هو: كيف نبني دولة لا يستطيع عسكري أو مدني، حزب أو حركة مسلحة، أن يحتكرها مرة أخرى؟
فالسودان لا يحتاج إلى جنرال أقوى، ولا إلى سياسي يزعم أنه المنقذ. يحتاج إلى دولة أقوى من الجميع؛ جيشها يحميها ولا يحكمها، وسياسيوها يتنافسون بلا بنادق، ومالها لشعبها، وقانونها فوق الجميع.
فأزمتنا لم تكن يوماً في غياب الرجل القوي، بل في غياب الدولة القوية.

الجمعة الجامعة الأول من اكتوبر ٢٠٢٦
دالاس تكساس

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة