ليس غريباً أن يحتل السودان صدارة دول العالم الأكثر فساداً، فقد تم تعطيل مبدأ المحاسبة منذ أن استولى الكيزان على الحكم في الثلاثين من يونيو من العام 89، فلا أحد صار يخاف من عواقب أفعاله مع انطلاق التمكين ودخولهم بنهم لسرقة البلاد، وصارت حوادث السرقة العلنية تزكم الأنوف محروسة بقبضة أمنية تُدق فيها المسامير في رؤوس كل من يتحدث عنها حتى صارت عرفاً متبعاً لا يستثني مسؤولاً إلا من رحم الله..
سرق علي الحاج أموال طريق الإنقاذ الغربي على عينك يا حكومة واعترف بذلك، وسرق يوسف عبد الفتاح أموال المدينة الرياضية، وسرق المتعافي أموال سكر مشكورة، وسرق.. وسرق الولاة والوزراء وغيرهم، وعندما جاءت لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال المنهوبة وفضحت مئات المسؤولين قطع عليها انقلاب البرهان الكيزاني الطريق وأعاد الأموال والمسروقات لهم، وما زال الفساد والسرقة مستمرة ولن تتوقف بل وتوسعت، فدخلت قيادة الحركات الدارفورية وهي ترفع شعار: «لقد سرقتم كثيراً ولا بد من أخذ نصيبنا نحن أيضاً من السرقة»!
ولم تكن مفاجأة، فقد كان الجميع يعلم فساد الاتحاد العام لكرة القدم منذ أن تولى الكوز المعروف معتصم جعفر رئاسته بالترهيب والترغيب وحتى اليوم، وكل الأصوات التي تنبح اليوم كانت تعرف ذلك الفساد ولم تكن بحاجة لفضيحة ما حدث لمنتخبنا القومي الذي كنا نعلق عليه الكثير من الآمال ليخرجنا من حالة الإحباط التي نعيشها بعد أداءه المشرف، ومن المؤسف اعتماد تلك الأقلام على (شماعة الفضيحة) التي حدثت أول أمس وقد كانت تعلم كل تلك السنوات ذلك الفساد ولكنها ظلت صامتة.. وهي نموذج (للشياطين الخُرس) من الإعلاميين الذين يشاهدون الفساد الذي تعوس فيه حكومة البرهان الكيزانية الانقلابية وهم صامتون، بل إن البعض منهم يدعمها ويحاول تبرير هذا الفساد رغم أن كل دول العالم قد وضعتها على قمة الدول الأكثر فساداً في الكرة الأرضية..
الساكت عن قول الحقيقة الواضحة (شيطان أخرس) ولا يقل فساداً عن هؤلاء اللصوص، وهو أكثر منهم فساداً حيث إنه غير مستفيد أساساً ويمثل قمة الجبن والوضاعة وعدم الوطنية، فإن كان يخشى الموت فإن الموت واحد، وإن كان يخشى العذاب والتعذيب فإن عذاب الآخرة أعظم، ولو أنه استخدم منطق أنه (يمشي تحت الحيط) ليعيش في سلام فإن مسيرة الوطن لا تتوقف على أيامه المعدودات، فله أبناء وأجيال قادمة ستلعن جبنه وانكساره هذا وتسليمهم وطن مريض متخلف.. وإن لم نتحرك جميعاً ونقتلع هذه الدكتاتورية العسكرية والعصابات المتعددة التي تحمل السلاح وتتقاتل فيما بينها لسرقة مقدرات البلاد وإشاعة الفساد فإننا سنصحو يوماً لنجد أنه ليس هناك وطن لنعيش فيه.. لا بد للثورة أن تستمر وإلا فإن الخلاص لن يأتي أبداً. ولا بد ألا يسقط مبدأ المحاسبة والقصاص حتى نفتح أبواب المستقبل. والرحمة والخلود لمن هم أصلح وأشرف منا جميعاً.. شهدائنا الأبرار.