أعمدة ومقالات

قبل الرصاصة.. ست سنوات صنعت 21 أكتوبر

حفريات أكتوبر .. الثورة التي ما زالت تسألنا

الحلقة الثانية

من 17 نوفمبر 1958م إلى مساء الجامعة

عروة الصادق

يختصر التاريخ أحيانًا سنوات كاملة في رصاصة.
نعرف مساء 21 أكتوبر 1964م؛ نعرف الشهيد أحمد القرشي، وجامعة الخرطوم، والموكب، والإضراب، ثم سقوط الحكم العسكري. غير أن الرصاصة التي أصابت جسد طالب في ذلك المساء وجدت أمامها بلدًا سبق أن امتلأ بالأسئلة والخصومات والخيبات والمقاومة. ولو قرأنا الرصاصة وحدها لبدت الثورة كأنها انطلقت فجأة؛ أما إذا عدنا ست سنوات إلى الوراء فسوف نجد دولة كانت تنتقل، خطوة بعد أخرى، من أزمة سياسية قابلة للعلاج إلى أزمة شرعية يصعب احتواؤها.
لهذا تبدأ الحفرية الثانية من صباح 17 نوفمبر 1958م. ذلك الصباح لا يفسر أكتوبر وحده؛ لكنه غيّر المسار الذي قاد إليها.
السودان كان قد مضى أقل من ثلاثة أعوام على استقلاله. مؤسسات الدولة ما زالت حديثة، التجربة الحزبية تحت الاختبار، الدستور الدائم لم ينجز، التنافس بين الأحزاب تجاوز أحيانًا القدرة على إدارة حكومة مستقرة، وقضية الجنوب أخذت تكشف مبكرًا أن الاستقلال القانوني للدولة سبق اكتمال الاتفاق على طبيعتها السياسية وهويتها وعلاقتها بأقاليمها. وسط هذه التناقضات دخل الجيش السلطة. ومنذ تلك اللحظة لم تعد المشكلة: هل تستطيع الأحزاب أن تحكم جيدًا؟ ظهر سؤال أخطر: من يملك حق الحكم أصلًا؟

السلطة التي أُريد لها أن تكون مخرجًا
في البيان الأول للفريق إبراهيم عبود قُدمت الأزمة السياسية والحزبية باعتبارها مبررًا لتدخل القوات المسلحة؛ تحدث البيان عن الفوضى وعدم الاستقرار والصراع على الحكم، ثم أعلن حل الأحزاب ومنع التجمعات والمواكب والمظاهرات وإيقاف الصحف إلى أن تقرر السلطة غير ذلك.
هذا مهم لفهم المنطق الذي دخل به الانقلاب الأول إلى الحياة السياسية السودانية.
فالعسكريون لم يقدموا أنفسهم في خطابهم بوصفهم أصحاب مشروع حزبي منافس؛ قدموا السلطة الجديدة كعلاج لفشل السياسة.
وهنا ولدت معضلة ستعود إلى السودان أكثر من مرة: كلما أخفقت المؤسسات المدنية في إدارة خلافاتها، ظهر من يقول إن المشكلة في السياسة نفسها، وإن تعطيلها أقصر طريق إلى الاستقرار.
لكن حذف السياسة من المجال العام لا يمحو أسباب النزاع.
هو ينقلها إلى مكان آخر.
الأحزاب التي تحل بقرار تظل قواعدها ومصالحها وخلافاتها موجودة؛ أزمة الدستور لا تختفي بإيقاف البرلمان؛ التفاوت بين الأقاليم يواصل إنتاج مظالمه؛ الصراع داخل المجتمع يمتد إلى المؤسسات التي يفترض أنها بعيدة عنه. وهذا ما بدأ يحدث.

من سلّم؟ ومن أيد؟ ومن عارض؟
هذه واحدة من أكثر صفحات 1958م تعرضًا للتوظيف السياسي اللاحق، ومن واجب «حفريات أكتوبر» ألا تستبدل دعاية بدعاية.
المادة الموجودة بين أيدينا تقدم مستويات مختلفة من المسؤولية والمواقف.
رئيس الوزراء عبد الله خليل ارتبط مباشرة بقرار تسليم السلطة إلى قيادة القوات المسلحة. كما صدرت في الأيام الأولى مواقف تأييد من الإمام عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني، وهو ما منح الوضع الجديد غطاءً اجتماعيًا وسياسيًا يصعب تجاهله عند قراءة لحظته الأولى.
في المقابل، تقدم شهادات لاحقة داخل حزب الأمة رواية تقول إن مجلس إدارة الحزب ورئيسه آنذاك الصديق المهدي كانا قد رفضا سابقًا فكرة تسليم السلطة للجيش، وإن عبد الله خليل اتخذ خطوته من موقعه رئيسًا للوزراء دون قرار مؤسسي من الحزب. كما تبنت قوى سياسية أخرى موقفًا معارضًا، وورد في بيان الحزب الشيوعي الصادر في 18 نوفمبر 1958م توصيف الانقلاب بأنه «تسليم سلمي للسلطة» قطع الطريق أمام تطورات سياسية كان الحزب يتوقعها داخل النظام البرلماني. لكن التنقيب في الوثائق يكشف تفصيلًا يحتاج إلى مزيد من التحقيق.
الخطابات اللاحقة للإمام الصادق المهدي تعرض الإمام الصديق باعتباره من معارضي الانقلاب منذ بدايته، بينما تنقل مادة أخرى مذكرة منسوبة للإمام الصديق إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في سبتمبر 1959م يقول فيها إنه، بعد وفاة والده، سار أول الأمر على نهجه في تأييد «الوضع القائم» باعتباره ترتيبًا مؤقتًا، ثم انتهى بعد نحو عشرة أشهر إلى المطالبة الصريحة بإنهاء حكم الجيش، وتكوين حكومة مدنية، وإعداد الدستور، والعودة إلى النظام الديمقراطي. هذه ليست ملاحظة صغيرة.
وقد يكون تفسيرها في التمييز بين رفض فكرة التسليم داخل الحزب قبل وقوع الانقلاب وبين التعامل السياسي مع الأمر الواقع بعد وقوعه؛ وقد تكون هناك وثائق أخرى تضبط التسلسل بصورة أدق. لذلك سأترك هذه النقطة مفتوحة أمام الوثائق والشهادات، بدل حسمها بما يتجاوز ما بين أيدينا.
فالتاريخ الذي نبحث عنه لا يحتاج إلى أبطال بلا أخطاء أو خصوم بلا فضائل.
يحتاج إلى معرفة ما حدث، ومتى حدث، وكيف تغيرت المواقف ولماذا.
وسنخصص الحلقة الثالثة لهذه المسألة تحديدًا: من سلّم السلطة للجيش؟

أول مفارقات الانقلاب: السياسة دخلت الجيش بدل أن تخرج من الدولة
كان الوعد الضمني للحكم الجديد إنهاء الاضطراب السياسي. لكن السنوات الأولى كشفت مفارقة مبكرة: إخراج الأحزاب من السلطة لم يخرج المنافسة على السلطة من الحياة العامة؛ جزء منها انتقل إلى القوات المسلحة نفسها.
تكوّن المجلس الأعلى للقوات المسلحة من كبار الضباط، ثم ظهرت خلافات وتحركات عسكرية داخله، وتعرض تكوينه للتغيير بعد تحرك عبد الرحيم شنان، ثم جاءت محاولة علي حامد ورفاقه في 1959م، وأُعدم عدد من الضباط المشاركين فيها.
هنا تظهر نتيجة استراتيجية أكبر من تفاصيل تلك المحاولات: عندما يصبح الجيش هو طريق السلطة، تتحول الخلافات داخل الجيش إلى خلافات حول الدولة.
في النظام المدني، يستطيع حزب أن يخسر الانتخابات ويبقى موجودًا؛ يستطيع نائب أن يعارض الحكومة؛ يمكن لائتلاف أن يسقط ويحل مكانه ائتلاف آخر.
أما السلطة العسكرية فتجعل مركز القرار السياسي داخل مؤسسة صممت أصلًا لوظائف مختلفة؛ ومع غياب آليات التداول العام، يصبح تغيير القيادة نفسه أكثر قابلية للارتباط بالقوة.
هذه النقطة تستحق أن تبقى أمامنا ونحن نقرأ تاريخ السودان اللاحق.
فالانقلاب يقدم نفسه عادة كوسيلة لإنهاء الفوضى، ثم يفتح بابًا جديدًا للصراع: من داخل المؤسسة المسلحة ذاتها على من يملك الدولة.

المعارضة التي تعلمت ببطء كيف تجتمع
الحكم العسكري حل الأحزاب، لكنه ساعد خصومًا متباعدين على اكتشاف مصلحة مشتركة.
مما كتب والمعلومات المتاحة تظهر جبهة سياسية واسعة ضمت قوى ذات اتجاهات متباينة: حزب الأمة، الوطني الاتحادي، الإسلاميون، الشيوعيون وقوى أخرى، مع اختلافات كبيرة بينها في الفكر والبرامج والمصالح. هذه الوحدة لم تكن وحدة عقائدية. فقد كانت استجابة لسؤال سابق على الخلافات الأيديولوجية: هل تبقى السلطة السياسية مفتوحة أمام المجتمع، أم تصبح محتكرة بواسطة الحكم العسكري؟
هذه المسألة تفسر جانبًا مهمًا من أكتوبر.
الثورة لم تبدأ بتحالف اكتمل في أسبوعها الأخير؛ سبقتها سنوات كان الخصوم يتعلمون خلالها، بتكلفة عالية، أن وجودهم السياسي نفسه مرتبط بعودة المجال العام.
لكن المعارضة لم تكن كتلة مثالية؛ فيها حسابات، خلافات، اختلاف في سرعة المواجهة، وتباين في تقييم النظام.
لهذا ينبغي أن نتعامل بحذر مع الرواية التي تجعل طريق 1958م إلى 1964م خطًا مستقيمًا نحو الثورة.
لم يكن مستقيمًا.
كان طريقًا من التجربة والخطأ.

النظام حاول صناعة مشاركة بلا استرداد كامل للسياسة
مع تراكم الضغوط، حاول الحكم العسكري تطوير أدوات سياسية أقل انغلاقًا، ومن بينها المجلس المركزي ومجالس المديريات. وهذه المحاولات مهمة لأنها تقول إن النظام نفسه أدرك حدود الحكم الإداري الخالص. لكن المشاركة التي تحدد السلطة سقفها وحدودها تختلف عن التنافس السياسي المفتوح الذي يسمح للمجتمع بتغيير السلطة نفسها.
وهنا كان جوهر المعضلة: النظام كان يبحث عن مساحة مشاركة تخفف الضغط؛ المعارضة كانت تتحرك تدريجيًا نحو استعادة أصل الشرعية. والمسافة بين الهدفين ظلت تتسع.
ومع مرور الوقت أصبح السؤال أكبر من عدد المقاعد أو تكوين المجالس: هل مصدر السلطة هو الدولة التي تختار من تستشيره، أم المجتمع الذي يختار من يحكمه؟ وهذا التحول من المطالبة بالإصلاح إلى مساءلة أصل النظام أحد مفاتيح أكتوبر.

الجنوب.. المكان الذي انكشفت فيه حدود الحل الأمني
إذا أردنا البحث عن الخط الذي ربط سنوات عبود بعضها ببعض، فسوف نجد قضية الجنوب في مركزه.
كانت المشكلة أقدم من انقلاب 1958م؛ جذورها تمتد إلى بناء الدولة السودانية نفسها، وإلى علاقات غير متوازنة بين المركز والأقاليم، وإلى اختلافات تاريخية وثقافية ودينية وسياسية لم تنجح النخبة الوطنية الأولى في صياغة عقد مستقر للتعامل معها.
مؤتمر جوبا 1947م، التمثيل الجنوبي في مؤسسات الحكم، المطالب الفدرالية، ثم أحداث أغسطس 1955م؛ كلها سبقت عبود. ولكن الانقلاب غيّر البيئة التي كانت تدار فيها المشكلة.
اختفت المؤسسات الحزبية والبرلمانية التي كان يمكن أن تستقبل المطالب، وغادر سياسيون جنوبيون البلاد، ونشأت لاحقًا تنظيمات في الخارج، واتسعت المقاومة المسلحة.
وفي المقابل اتخذ النظام سياسات وصفها الصادق المهدي لاحقًا بـ«الأسلمة الإدارية»، ومن الأمثلة التي يكررها في شهاداته تغيير الإجازة الأسبوعية في الجنوب من الأحد إلى الجمعة، ثم الصدام مع قساوسة أجانب وانتهاء الأمر بطرد عدد منهم في 1964م.
ينبغي هنا التفريق بين رواية الفاعل وبين الحكم التاريخي الكامل؛ فدراسة سياسة النظام في الجنوب تحتاج إلى وثائق الدولة، والوثائق الكنسية، وشهادات الجنوبيين، ومصادر مستقلة، لا رواية سياسية واحدة.
لكن الاتجاه العام واضح بما يكفي:
الأزمة الجنوبية اتسعت في سنوات الحكم العسكري، وتحولت تدريجيًا إلى استنزاف أمني وسياسي وأخلاقي للنظام. وهنا نصل إلى قاعدة شديدة الصلة بتاريخ الدولة السودانية: كلما عجز المركز عن إدخال المظلمة في السياسة، ارتفعت احتمالات دخولها في السلاح. وهذه القاعدة لا تعني أن كل حمل للسلاح حتمي أو مبرر؛ تعني أن الدولة التي تغلق باب التفاوض تزيد مساحة الخيارات الأعلى كلفة.

أبريل 1964م: كتاب صغير يلتقط مشكلة أكبر
قبل الثورة بستة أشهر تقريبًا نشر الراحل الإمام الصادق المهدي كتابه «مسألة جنوب السودان».
قيمته في مسار أكتوبر لا ترجع إلى أن الكتاب صنع الثورة؛ هذه دعوى لا تسندها المادة. وأهميته أنه التقط تغيرًا كان يجري في التفكير السياسي: الانتقال من تعريف الجنوب كملف أمني إلى التعامل معه كمشكلة سياسية مركبة. ووفق شهادته، ذهب الكتاب إلى أن القضية تشمل الدين والثقافة والاقتصاد والسياسة، وأن حلها يحتاج إلى حرية تسمح بنقاش البدائل. وتروي شهادته كذلك أن وزير الداخلية أحمد مجذوب البحاري استدعاه واعترض على الكتاب وهدده بمعنى شديد الوضوح.
إذا دققنا في هذه الواقعة تظهر مفارقة ذات دلالة: النظام كان يواجه أزمة تحتاج إلى أفكار جديدة، لكنه كان يضيق بالمساحة التي تسمح بإنتاج تلك الأفكار.
وهنا يصبح تقييد الحرية جزءًا من المشكلة نفسها. فالسلطة التي تمنع المجتمع من مناقشة أزماته تحرم نفسها من خيارات الحل قبل أن تحرم خصومها من الكلام.

الجامعة.. حيث التقت القضية الوطنية بحرية السؤال
جامعة الخرطوم لم تدخل أكتوبر فجأة.
الجامعات بطبيعتها تجمع ثلاثة عناصر حساسة لأي نظام مغلق: شباب في سن السؤال، معرفة تسمح بإعادة تعريف المشكلة، ومساحة اجتماعية تتيح تكوين شبكات سريعة للحوار والتنظيم.
وكان اتحاد الطلاب ينتخب عبر تمثيل نسبي يسمح بحضور اتجاهات متعددة؛ هذه البيئة جعلت الجامعة مختبرًا سياسيًا مصغرًا للسودان. ومع تصاعد النقاش حول الجنوب، نظم الطلاب ندوة تحدث فيها الدكتور حسن عبد الله الترابي، عميد كلية القانون آنذاك، وربط ــ حسب الشهادات المتاحة ــ بين حل القضية وتوفير الحرية اللازمة للحوار.
الفكرة لاقت اهتمامًا واسعًا.
وبدأ الطلاب التحضير لمواصلة النقاش.
هنا اقترب النظام من اختبار حاسم.
السؤال الذي كان يناقش داخل الجامعة في ظاهره هو الجنوب.
أما السؤال الكامن خلفه فكان: هل يملك السودانيون حق مناقشة أزمة وطنهم من دون إذن السلطة؟
وهذا هو النوع من الأسئلة الذي يتجاوز موضوع الندوة.

لماذا أصبحت الجامعة خطرة على النظام؟
من زاوية أمنية ضيقة، يمكن النظر إلى الندوة كاجتماع طلابي يمكن منعه.
ومن زاوية سياسية أوسع، كان المنع يحمل مخاطرة أعلى من الندوة نفسها. زذلك لأن النظام واجه خلال ست سنوات ثلاثة أنواع من المعارضة أصبحت تقترب من بعضها: معارضة حزبية تستهدف استعادة السياسة؛ ومقاومة جنوبية تكشف عجز المعالجة الأمنية؛ وحركة طلابية ومهنية تحول سؤال الحرية إلى نشاط داخل مؤسسات المجتمع.
هذه المسارات لم تكن قيادة واحدة، ولم تتحرك بأمر واحد، لكنها بدأت تصب في أزمة شرعية مشتركة.
هنا تحديدًا يتغير معنى الواقعة الصغيرة. فالشرارة لا تشعل أرضًا رطبة. تحتاج إلى مادة تراكمت قبلها. وفي أكتوبر كانت المادة قد تراكمت.

ست طبقات صنعت البيئة التي سبقت الرصاصة
عند جمع الوقائع المتاحة، يمكن قراءة الطريق إلى 21 أكتوبر عبر ست طبقات متداخلة.
الأولى أزمة الشرعية؛ انقلاب جاء لمعالجة عجز النظام المدني ثم أصبح هو نفسه موضع سؤال حول حقه في الحكم.
الثانية أزمة الدستور؛ السودان دخل الاستقلال بدستور مؤقت، ثم تعطلت قدرة القوى السياسية على بناء تسوية دستورية دائمة، وجاء الحكم العسكري فجمّد السؤال بدل حله.
الثالثة أزمة العلاقة المدنية العسكرية؛ انتقال الجيش من مؤسسة في الدولة إلى مركز الحكم فتح بابًا لصراعات سياسية داخل المجال العسكري.
الرابعة أزمة المركز والأطراف؛ الجنوب كشف أن الدولة الوطنية ورثت حدودًا سياسية أوسع من العقد الذي يجمع سكانها.
الخامسة أزمة المجال العام؛ الصحافة والأحزاب والمواكب والنقابات والجامعة أصبحت ساحات صراع على حق المجتمع في الكلام والتنظيم.
السادسة أزمة البديل؛ المعارضة اتفقت تدريجيًا على رفض الحكم العسكري قبل أن تتفق بالقدر نفسه على صورة النظام الذي سيأتي بعده. وهذه الطبقات اجتمعت في أكتوبر. والرصاصة سرّعت تفاعلها.

هل كانت الثورة حتمية؟
الإجابة الأكثر دقة: لا.
التاريخ الذي وقع يمكن أن يوهمنا بأن كل خطوة كانت تقود حتمًا إلى الخطوة التالية. وهذه هي خدعة «امتياز ما بعد الوقوع». ولو نجح النظام في تقديم انفتاح سياسي أوسع في وقت مبكر؛ لو جرى التعامل مع قضية الجنوب بتسوية أكثر مرونة؛ لو احتُويت أزمة الجامعة من دون إطلاق النار؛ لو بقيت المعارضة منقسمة؛ لو اختارت القوات المسلحة قمعًا شاملًا موحدًا؛ كان مسار أكتوبر، وتوقيتها، وربما نتيجتها، سيختلف.
إذن الثورة لم تكن نتيجة سبب واحد.
كانت سببية عنقودية: مجموعة أزمات تتفاعل حتى تبلغ نقطة يصبح فيها حدث محدود قادرًا على تغيير النظام كله.
هذه القراءة مهمة جدًا لأن البحث عن «سبب الثورة» في واقعة منفردة يختصر التاريخ إلى قصة سهلة.
أكتوبر أقوى من هذه السهولة.

وماذا تقول السنوات الست لسودان الحرب؟
الفارق بين 1958م و2026م واسع إلى درجة تمنع المقارنة الميكانيكية.
ومع ذلك، تحمل السنوات الست السابقة لأكتوبر عددًا من الإنذارات التي تستحق القراءة اليوم.
أولها أن عسكرة الحل السياسي لا تنهي السياسة؛ تنقل التنافس إلى المؤسسات المسلحة وتزيد كلفة الخلاف.
ثانيها أن المؤقت السياسي يميل إلى إنتاج مصالح تحمي استمراره، ولذلك يحتاج أي ترتيب انتقالي إلى زمن محدد، ومهام محددة، وقواعد خروج واضحة.
ثالثها أن أزمة الأطراف لا تبقى في الأطراف؛ ما يُترك من دون علاج في الهامش يعود في صورة أزمة دولة كاملة.
رابعها أن الأمن يستطيع احتواء عرضٍ من أعراض الأزمة لبعض الوقت، لكنه لا ينتج وحده عقدًا سياسيًا.
خامسها أن غياب البديل المتفق عليه يترك في داخل لحظة النصر بذور أزمة المرحلة التالية.
والواقع السوداني منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023م يعيد إلينا هذه الأسئلة بصورة أكثر قسوة: تعدد مراكز القوة المسلحة، انهيار الثقة، النزوح، الانقسام المجتمعي، التدخل الخارجي، وأزمة الشرعية؛ كلها تجعل سؤال «كيف تنتهي الحرب؟» أقل من المطلوب ما لم يصاحبه سؤال آخر:
ما الدولة التي ستمنع إنتاج الحرب التالية؟
هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نقرأ به أكتوبر اليوم.

قبل الرصاصة كانت الدولة قد بدأت تخسر الحجة
في مساء 21 أكتوبر 1964م لم تكن السلطة تواجه طلابًا وحدهم.
كانت تحمل على كتفيها ست سنوات من الأسئلة التي لم تجد أجوبة كافية.
من أين تستمد الحكم؟
كيف تعالج الجنوب؟
لماذا تبقى الحريات معلقة؟
كيف تنتهي الفترة العسكرية؟
ما حدود دور الجيش؟
وأين الطريق إلى دستور يقرر السودانيون عبره شكل دولتهم؟
لهذا فإن الرصاصة التي سنصل إليها في الحلقة القادمة من مسار الأحداث لم تبدأ الثورة من الصفر.
لقد كشفت ما كان يتكون تحت السطح.
وهنا تكمن إحدى قواعد التاريخ السياسي:
الأنظمة لا تسقط عادة من الحدث الذي يقتلها وحده؛ تسقط من تراكم يجعل حدثًا واحدًا أكبر من قدرة النظام على استيعابه.
في 21 أكتوبر وصلت التراكمات إلى الجامعة.
ثم خرجت منها إلى السودان كله.

نداء خاص لشهود سنوات 1958م–1964م
هذه الحلقة تحتاج إلى شهاداتكم أكثر من غيرها.
نبحث عن أي وثائق أو إفادات تتعلق بـ:
اجتماعات حزب الأمة والقوى السياسية قبيل 17 نوفمبر 1958م؛ مواقف الإمام عبد الرحمن المهدي والإمام الصديق المهدي والسيد علي الميرغني وقيادات الوطني الاتحادي؛ قرار عبد الله خليل وتسلسل الاتصالات مع قيادة الجيش؛ الجبهة القومية المتحدة؛ المجلس المركزي ومجالس المديريات؛ المحاولات العسكرية داخل نظام عبود؛ سياسات الحكومة في الجنوب؛ القساوسة الذين غادروا البلاد؛ الحركة الطلابية في جامعة الخرطوم؛ الندوات التي سبقت 21 أكتوبر؛ أو أي مراسلات وصور وقصاصات صحفية تعود إلى تلك السنوات.
إذا كنت شاهدًا مباشرًا، فاكتب ما رأيت.
إذا كانت المعلومة منقولة عن شخص آخر، اذكر اسمه وموقعه قدر الإمكان.
وإذا كانت بين يديك رواية تخالف ما كتبناه، أرسلها.
المشروع يبحث عن الحقيقة، لذلك يحتاج إلى الرواية المؤيدة والرواية المناقضة بالقدر نفسه.

عروة الصادق
من أجل ذاكرةٍ تُنصف الوطن، ووعيٍ يقيه تكرار المأساة

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة