أعمدة ومقالات

جريمة جبل العقيدات.. عندما يُقتل السوداني في أرضه ويُوصف بالمجرم

: د. الأمين بلال مختار_
_alaminmukhtar@hotmail.com
october/13/2026

ما حدث يوم السبت 10 أكتوبر في منجم جبل العقيدات، بمنطقة شمال وادي العلاقي، ليس حادثاً عرضياً ولا عملية لمكافحة التهريب كما يحاول بيان الجيش المصري أن يصوره، بل هو تعدٍ سافر ودموي ومكتمل الأركان على سيادة السودان وعلى دماء أبنائه.

هؤلاء الذين قصفهم الطيران ليسوا مجرمين. هؤلاء شباب سودانيون دفعتهم الحرب والجوع والانهيار الاقتصادي للذهاب إلى أطراف الصحراء، ينقبون عن جرامات من الذهب ليطعموا أهلهم. لا يحملون سلاحاً، ولا يهددون أمن دولة. كل جريمتهم أنهم سودانيون يبحثون عن الرزق في أرض سودانية خالصة.

أين هي هذه الأرض؟ ليست أرض متنازع عليها.

جبل العقيدات وسوق الأنصاري يقعان في العمق السوداني، ضمن منظومة وادي العلاقي الذي هو امتداد طبيعي لصحراء السودان. هذه المنطقة هي قلب مناطق التعدين السوداني التي يعرفها كل سوداني:

من أبو حمد وقبقبة والعبيدية في نهر النيل، إلى دلقو ووادي حلفا في الشمالية، إلى سوق الطواحين وسوق الأنصاري وجبل العيقاد في أقصى الشمال، إلى مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد وبئر الطويل الذي هو أرض سودانية محتلة بصمت حكومة الكيزان .

كل هذه المناطق ظل المعدن السوداني فيها منذ أكثر من 15 عاماً هو من عمرها بعرقه ودمه، وحفر آبارها وبنى أسواقها. لم يذهب هؤلاء الشباب إلى أسوان، بل هم في أرضهم التي تبعد أكثر من 200 كيلومتر جنوب خط الحدود.

يأتي بيان الجيش المصري ليصفهم بـ “المنقبين غير الشرعيين” و “المجرمين” ويتحدث عن فرض السيادة “داخل حدود الدولة المصرية”. منذ متى كانت جبال العقيدات داخل الحدود المصرية؟ ومن الذي خوّل الجيش المصري أن يفرض سيادته على أرض سودانية وأن يقتل اكثر من ٣٠٠ روحاً في البيانات الرسمية، و_أكثر من 200 شهيد كما يؤكد الناجون والمصادر الميدانية وغرفة طوارئ المناصير_، ثم يرمي لهم منشورات تحذيرية من السماء قبل قصفهم وكأنهم جيش معادٍ؟

التدخل في حد ذاته جريمة حرب، لكن وصف الضحايا بالمجرمين بعد قتلهم هو إهانة ثانية. هو محاولة خسيسة لشرعنة القتل وتجريد السوداني من حقه حتى في أن يكون ضحية.

الاعتراف سيد الإدانة: اعتراف الجيش المصري يجعل لجان البرهان مسخرة

إن البيان الرسمي للجيش المصري نفسه الذي اعترف فيه بصراحة أنه هو من قصف وقتل المعدنين السودانيين العزل، هو إقرار بجريمة حرب مكتملة، وهذا الاعتراف وحده ينسف أي معنى للجان البرهان العبثية. لجنة تقصي حقائق عن ماذا؟ والجاني اعترف بجريمته؟ هذه اللجان ليست إلا ذر للرماد في العيون لامتصاص الغضب وتمييع القضية.

حكومة البرهان المتواطئة تحاول بيع دماء أهلنا ببيان بارد، لكن حكومة السيسي المجرمة التي تقتل المدنيين العزل بالطيران الحربي في صحراء جارها هي حكومة قاتلة يجب أن تجر إلى المحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية، وكل صمت عنها مشاركة في الدم.

وهنا بيت الداء: تواطؤ حكومة بورتسودان

أين حكومة الأمر الواقع في بورتسودان؟ أين البرهان ومجلس سيادته؟

لم يصدر بيان إدانة واضح، لم يُستدعَ سفير، لم يُقدّم احتجاج للأمم المتحدة، فقط “لجنة تقصي حقائق” وتأكيد على “التواصل بين القيادتين” و “عمق الروابط”. أي عمق روابط هذا الذي يسمح لجيش أجنبي أن يقصف مواطنيك وأنت ترد بكلام دبلوماسي بارد؟

هذا الصمت ليس ضعفاً، بل هو تواطؤ مكشوف ودرجة كبيرة من التآمر.

هذا النظام الذي باع قرار البلد وفرّط في حلايب وشلاتين لسنوات بالصمت، اليوم يصمت مرة أخرى على دماء أهله لأنه باع الأرض والسيادة نظير مصالحه السلطوية.

كيف نفسر أن البرهان نفسه زار المنطقة في يونيو بعد المجزرة الأولى التي قتل فيها 23 معدناً وطالبهم بعدم تجاوز الحدود، وكأنه يعترف ضمنياً بأن لمصر حق في تلك الأرض؟ كيف نفسر أن مصر حليفه العسكري الأول في حربه، وأنها تغض الطرف عن تجاوزاته مقابل أن يغض هو الطرف عن توغلها وقتلها لشعبه ونهبها لذهب وادي العلاقي؟

هناك تفاهمات تحت الطاولة تسمح لمصر بالتوغل والتنقيب والقتل مقابل دعم سياسي وعسكري للبرهان في حربه لبقاء سلطته. البرهان باع أراضي السودان وشعب السودان ليبقى على كرسيه.

إن حكومة البرهان وحكومة السيسي وجهان لعملة واحدة، نظامان مستبدان لا يريان في المواطن إلا رقماً يمكن التضحية به في سبيل بقاء السلطة وثرواتها. دماء أهلنا في العقيدات لن تذهب هدراً بالبيانات الخجولة.

المطلوب ليس لجنة، المطلوب موقف سيادي واضح: هذه أرضنا، من وادي حلفا إلى وادي العلاقي إلى حلايب، وهؤلاء شعبنا، ومن يقتل شعبنا في أرضنا هو معتدٍ يجب أن يحاسب، لا أن يوصف ضحاياه بالمجرمين.

ولا يصح إلا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة