وأخيراً تمخض الجبل واكتشف كاهننا الأعظم (الثغرة) التي تعذب الشعب السوداني، واستشعر الضائقة وانسداد الأفق الذي يعاني منه الوطن والمواطن، وولد فأراً وتفتق تفكيره المحدود بأن المشكلة تكمن في (الجمارك)، فاجتمع مع وزير المالية ووزير التجارة لإلغاء الجمارك عن بعض السلع الاستهلاكية وفي اعتقاده أن الأمر سيخفف من ثورة الجياع القادمة.. بهذه الحركة التي على شكل (وردة) كهدية يقدمها القائد للشعب السوداني الغلبان، وهو يعلم تماماً بأنها لن تحل قضية (الجوع) الذي صار يعاني منه الغالبية العظمى من السكان، ويدرك بأنه لن تكون هناك خطوة إيجابية دون (إيقاف الحرب) في وطن يعاني ٨٠% من شبابه من العطالة، و(ينتحر) بعضهم بالمشاركة في القتال، والبعض الآخر بركوب المخاطر وسط البحار والإهانة في دول كانت يوماً تستجدي الغذاء منا، وفي معسكرات النزوح واللجوء هروباً من وطن توقفت فيه الحياة والإنتاج والزراعة ولم يتبقَ فيه سوى التعطل والتسول والجوع والمرض..
وثورة الجياع القادمة هي التي جعلت قائد الحركة الانقلابية يتحسس كرسيه؛ حيث لن تجدي القبضة الأمنية عندما يصبح الموت واحداً سواء داخل المعتقلات أو بالرصاص أو عرض البحر أو بالجوع.. ووزير المالية المحاصر بين متاخرات رواتب المعلمين وأزمة الوقود ونزيف تكاليف الحرب، والذي صمت لحظتها أمام تلك التصريحات (الهوائية) من رجل فقد البوصلة تماماً وهو يدرك بأنه لن يستطيع تنفيذ تلك التعليمات في دولة بلا إنتاج وتعتمد كلياً على الضرائب والجمارك، وأن صمته كان فقط حتى لا يفسد على ذلك الحالم متعة (القهوة) التي أمامه، ويقتل فيه متعة الإحساس بأنه بهذا القرار قد صار واحداً من علماء الاقتصاد بعد الانتهاء من رسالته العسكرية (الحفر بالإبرة)، والانتهاء من رسالته الدينية بمخاطبة المصلين بالطواف على المساجد كل جمعة والاجتماع بمشاركة العطالة (لعب الكوتشينة) ومتعة الدافوري بالجلوس على (لستك) بعد انتهاء مجده وأصبح المجد للبندقية..
العالم والداخل والصغير والكبير والعاقل والمجنون – عدا البرهان – يعلم بأن الحل الوحيد – ليس ليتعافى الوطن بل ليبدأ الخطوة الأولى نحو ذلك التعافي – هو إيقاف هذه الحرب اللعينة أولاً، وإنهاء تعدد المليشيات ودمج الصالح منها في جيش وطني واحد، وتسليم الدولة لقيادات من كفاءات وطنية غير محزبة لقيادة مرحلة انتقالية مهمتها الأساسية إعادة تعافي الاقتصاد ورتق النسيج الاجتماعي من خلال العدالة الانتقالية وتكوين مفوضيات للأحزاب والانتخابات استعداداً لاستحقاق ديمقراطي بدلاً عن هذا (الهرج) الذي يمارسه والذي يقود البلاد كل يوم إلى خطوات نحو مستقبل مظلم، فثورة الجياع إن صارت لا محالة ستقضي عليه وما تبقى من الأمن والأمان..
باسمك الأخضر.. لم يترك لنا (العسكر) (مساحة)، ولكننا رغم الأوجاع سنغني لمن هم أصلح وأشرف منا جميعاً، وباسمك الأخضر يا أكتوبر نغني ونزرع الأرض آمالاً وتمنياً.. وتظل ذكرى القرشي ورفاقه خالدة… وثورة الوعي لا بد منها قبل الانفجار الكبير. والمحاسبة والقصاص كتاب مفتوح من المستحيل تمزيقه. والرحمة والخلود لشهدائنا.
وَغَمْضُ العَيْنِ عن شَرٍّ ضَلالٌ وغَضُّ الطَّرْفِ عن جَوْرٍ غَبَاءُ