أعمدة ومقالات

ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964.. أيقونة الثورات

د. الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
october/23/2026

لم تكن ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964 في السودان مجرّد انتفاضة عابرة، بل كانت أول ثورة شعبية حقيقية في العالم العربي والإفريقي تطيح بحكم عسكري مستبد، عبر النضال السلمي والإضراب السياسي والعصيان المدني. لقد رسمت هذه الثورة للسودانيين طريقهم، وأرست دستوراً خالداً في ذاكرة الشعوب مفاده أن إرادة الشعب لا تُقهر.

كيف انطلقت الشرارة؟

انطلقت الشرارة من الجامعات، وتحديداً من جامعة الخرطوم. ففي مساء الحادي والعشرين من أكتوبر 1964، كانت ندوة سياسية منعقدة في داخلية البركس بجامعة الخرطوم تناقش قضية جنوب السودان في ظل حكم الفريق إبراهيم عبود. حينها اقتحمت قوات الشرطة حرم الجامعة وأطلقت الرصاص على الطلاب، فسقط الشهيد أحمد القرشي طه، طالب كلية العلوم، برصاص النظام.

لم يكن استشهاد القرشي حادثة فردية، بل كان النقطة التي فجّرت بركان الغضب الشعبي. لم يكن القرشي فرداً، بل كان رمزاً للسودان كله.

وفي صباح اليوم التالي، لم يصمت السودانيون. فقد خرجت جبهة الهيئات التي ضمّت كل فئات المجتمع السوداني دون استثناء: الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، واتحاد المزارعين، واتحاد المعلمين، واتحادات الطلاب، والمحامين، والأطباء، والمهندسين، والمثقفين والكتاب، والمرأة السودانية.

وأعلنت الإضراب السياسي العام والعصيان المدني الشامل، حتى سقط نظام عبود في السادس والعشرين من أكتوبر 1964. وكان دور الجامعات مفصلياً في ذلك، فجامعة الخرطوم وجامعة أم درمان الإسلامية ومعهد الخرطوم الفني (جامعة السودان حالياً) وكل الجامعات كانت شعلة الثورة.

وكانت ثورة أكتوبر تجسيداً حياً للوحدة الوطنية، ونموذجاً لحكومة الجبهة الوطنية التي قادها السيد سر الختم الخليفة.

لماذا لم يكتمل الحلم؟

للأسف، لم يُمهل أعداء الديمقراطية ثورة أكتوبر طويلاً. فبعد خمس سنوات فقط، في الخامس والعشرين من مايو 1969، انقضّ عليها انقلاب النظام المايوي بقيادة جعفر نميري، مدعوماً بواجهات سياسية، فقطع الطريق أمام التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة. وكان ذلك هو النمط الذي تكرّر في تاريخ السودان الحديث.

سلسلة واحدة من النضال: أكتوبر – أبريل – ديسمبر

إن تاريخ السودان الحديث هو في حقيقته تاريخ صراع مستمر بين إرادة الشعب الحرّة وبين الانقلابات العسكرية والديكتاتوريات الباغية.

فثورة أكتوبر 1964 أسقطت عبود،
وثورة أبريل 1985 أسقطت نميري بعد ستة عشر عاماً من الديكتاتورية، وبذات الأدوات: تجمع النقابات والطلاب والأحزاب،
وثورة ديسمبر 2018-2019 أسقطت نظام الإنقاذ بعد ثلاثين عاماً، وبذات الروح، ولكن بجيل جديد وبشعارات “حرية، سلام وعدالة”.

والرابط بين الثورات الثلاث واحد: فكلما وجد الشعب السوداني فرصة للتقدم الديمقراطي، تأتي انقلابات عسكرية بمبررات واهية وغير مقنعة لتقطع الطريق.

ثورة ديسمبر.. الفرصة المجهضة

وكانت ثورة ديسمبر المجيدة فرصة تاريخية للتغيير الشامل وبناء السودان الجديد، غير أن العسكر ومن خلفهم فلول النظام البائد (الكيزان) قطعوا الطريق أمامها بانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021. ثم جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 المستمرة حتى اللحظة، كامتداد طبيعي لمسلسل الانقلابات والهيمنة على الحكم، وتجفيف العمل المدني، وتقسيم الوطن، وفرض الوصاية على المدنيين.

لماذا لم يتقدم السودان؟

هذا هو الشاهد التاريخي المؤلم. إن السودان لم يُمنع من التقدم لقلة موارده، بل لعدم الاستقرار السياسي المزمن. وتكمن الأسباب الجذرية في الآتي:

أولاً: الانقلابات العسكرية المتكررة التي أصبحت هي القاعدة لا الاستثناء.
ثانياً: عدم وجود جيش قومي مهني واحد، فالجيش النظامي تاريخياً وحتى اليوم، ظل يستولي على الحكومات وينقلب عليها، ويتحول من مؤسسة لحماية الدستور إلى حزب سياسي مسلح يحكم.
ثالثاً: الحروب الأهلية التي غذّتها الأنظمة الديكتاتورية.
رابعاً: منع التطور الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً من دماء شهدائه، من الشهيد القرشي في أكتوبر، إلى شهداء أبريل، إلى شهداء ديسمبر، وما زالت المسيرة مستمرة.

إن إحياء ذكرى الحادي والعشرين من أكتوبر ليس مجرد احتفال بتاريخ، بل هو تذكير بأن الداء واحد، وأن الحل واحد: دولة مدنية ديمقراطية بجيش قومي مهني واحد يحمي الدستور ولا يحكم، ويحترم إرادة الشعب التي انتصرت في أكتوبر وستنتصر أخيراً.

ومهما طال ليل الظلم والاستبداد والفساد، فإن الحق سوف ينتصر، ولا يصح إلا الصحيح.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة