أعمدة ومقالات

السودان يدار من الثكنات ويذبح بالبنادق

*october/26/2026
د/الأمين بلال مختار – alaminmukhtar@hotmail.com

إن ما يجري في السودان اليوم ليس أزمة عابرة، ولا خللاً سياسياً يمكن ترميمه بمساومة أو اتفاق محاصصة، بل هو فضيحة مكتملة الأركان؛ فضيحة نظام اختطف الوطن وحوله إلى غنيمة حرب يتقاسمها الجنرالات وأمراء الميليشيات.

أولاً: فضيحة الجيش الذي يمارس السياسة

كيف يُصلح حال بلد جيشه لا يعرف حدوده؟
جيش يترك الحدود ويمارس الحكم، ويترك الثكنات ويمارس التجارة، ويترك واجبه الوطني ويمارس تهريب الذهب والسياسة. تحول إلى حزب سياسي مسلح، وشركة اقتصادية ضخمة، يرفض الإصلاح ويرفض العودة لثكناته، وكلما فشل في إدارة البلاد استدعى دباباته لينقلب على شعبه.

هذه ليست مؤسسة وطنية، بل سلطة غاشمة تحكم باسم البندقية، وتعتقد أن البلاد لا تُدار إلا بالبوت العسكري والأوامر والتعليمات.

ثانياً: فضيحة تعدد الجيوش والميليشيات

بأي منطق يُبنى وطن فيه أكثر من جيش؟
كيف تُبنى دولة فيها جيش رسمي، ودعم سريع، وحركات مسلحة، وكتائب ظل، وكتائب البراء، وقوات خاصة بفلان وعلان؟ لكل واحدة علمها وتمويلها الخارجي وسيدها الخارجي، وسلاحها موجه إلى صدر المواطن في الداخل.

هذه ليست دولة، بل سوق مفتوح للسلاح، ومزاد علني للولاءات، والنتيجة الحتمية هي الحرب. ما حدث في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان لم يكن صدفة، بل نتيجة طبيعية لدولة سلمت قرارها للميليشيات.

ثالثاً: التجربة الفاشلة خير دليل

طريق البندقية بكل أشكاله هو الأسوأ في كل الحقب التي مر بها السودان .
ماننسي انقلاب 89 ثمنه ثلاثين عاماً من العزلة والفساد والإبادة والنهب المنظم.
اما تجربة انقلاب 2021 ثمنه اكبر انقساماً وتجويعاً وقتلاً للثوار في الشوارع.
والان حرب 15 أبريل 2023 فكانت النتيجة: عاصمة مدمرة، مؤسسات محروقة، مطار مغلق، جامعات مقفلة، أكثر من 12 مليون نازح ولاجئ، واقتصاد منهار بالكامل، وشعب يموت جوعاً وقصفاً ومرضاً.

ماذا تبقى لنجرب؟

الحقيقة التي يخشى العسكر وميليشياتهم سماعها، ويحاولون طمسها بالرصاص والاعتقالات، هي حقيقة واحدة لا تقبل الجدال: لا يمكن أن يصلح حال السودان بالحروب والانقلابات، ولن يصلح أبداً بالبندقية.

أخيراً: ما هو الحل؟

السودان لا يحتاج إلى منقذ جديد ببزة عسكرية، ولا إلى مصلح جديد يحمل بندقية.
السودان يحتاج إلى ثورة مختلفة تماماً: ثورة مؤسسات.

يحتاج إلى قوى مدنية حقيقية، تستند فيه علي برنامج وطني قومي يكون بمثابة مشروع يعالج الفجوات والجفوات التي ادت الي تفاقم أزمات الوطن.
لذلك الحاجة إلى وجود مؤسسات مدنية مهنية مستقلة تعبر عن الوطن والمواطن بحق هي مربط الفرس.
يحتاج إلى قضاء مستقل لا يخاف الجنرال ولا يأتمر بأمره.
يحتاج إلى خدمة مدنية مهنية لا تتبع لحزب ولا لقبيلة ولا لجهاز أمن.
يحتاج إلى نقابات حرة، وجامعات حرة، وإعلام حر، وجيش واحد فقط، قومي، مهني، محترف، مهمته الوحيدة هي حماية حدود البلاد، لا حكم العباد ونهب ثرواتهم.

ما لم ننزع السياسة من الجيش بشكل نهائي، وما لم ننزع السلاح من العمل السياسي بشكل نهائي، سنظل ندور في نفس الواقع الماثل امامنا ، نفس المطحنة التي تطحن عظام هذا الشعب يوماً بعد يوم، جيلاً بعد جيل.

لقد انتهى زمن المجاملة والصمت والمساومة على دماء الناس. قد جربنا حكم البندقية وتعدد البنادق والالتفاف على إرادة الشعب بكل الصيغ، فما حصدنا إلا الخراب والدمار، وثبت بالدليل القاطع أن طريق الدولة المدنية ومؤسساتها الحرة وجيشها المهني الواحد هو الطريق الوحيد للنجاة، وما عداه وهم وسراب.

اللهم اشهد أني قد بلغت، ولا يصح إلا الصحيح، وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة