وساوِس التنظيم وطمأنينة الختام

محمد عصمت يحيي
محمد عصمت يحيي

اقلام واراء

محمد عصمت يحيي يكتب ..

التعليم كحق من الحقوق الأساسية وبمستوياته الثلاثة ظل حِكراً وتَرفاً تتمتع بتركيزه وجودته بعض مناطق السودان خلال تاريخه القريب وحينما نكتب عن تركيزه وجودته لا نعني بالطبع مماثلته بالتعليم خارج الحدود ولكننا نعني مقارنته بالتعليم المُتاح في بقية المناطق كدارفور وكردفان والنيل الأزرق وهي مناطق لم تنعم ومنذ عقود مضت بالإستقرار السياسي اللازم لتقديم الخدمات الأساسية ذات الجودة بما فيها التعليم
في ظل هذه الظروف الموروثة منذ زمنٍ مضي ومقرونة بظروف الحرب الطاحنة التي أشعلتها الحركة الإسلامية السودانية الإرهابية (حاسا) في أبريل 2023 والتي كان من ضمن مترتباتها هو حرمان بنات وأبناء هذه المناطق ليس تحصيل الدراسة فقط بل تمددت سياسات الحرمان لتحجب عنهم حق الجلوس للإمتحانات النهائية في مراحل التعليم أسوة برصفائهم في الأقاليم الشمالية والشرقية والوسطي من البلاد رافضة لكل المبادرات الوطنية المدعومة من المؤسسات الدولية ذات الصلة بالعملية التعليمية رغم قبول حكومة السلام بتلك المبادرات بإعتبار أن الشهادة السودان هي إحدي مُمسِكات الوحدة الوطنية ورمز من الرموز السياديّة كما هي بوابة للتحصيل الجامعي، في مقدمة تلك المبادرات كانت المبادرة القومية الطارئة لدعم إمتحانات الشهادة السودانية 2026، والتي حمّلت في تقريرها الصادر بتاريخ 30 أبريل من هذا العام سلطات الحركة الإسلامية السودانية الإرهابية (حاسا) المسؤولية الكاملة عن حرمان نحو 280 ألف طالب/ة من الجلوس لإمتحان الشهادة السودانية وبعضهم للمرة الثالثة وعلي الرغم مما قدمته هذه المبادرة من مقترحات مرنة لضمان إمتحانات مُوحدة وشاملة جغرافياً ومُحايدة سياسيًا، ومتنوعة في إدارتها وتنظيمها إلا أن مصيرها كان الرفض
وتجدر الإشارة هنا إلي ما ورد في تقرير المبادرة القومية الطارئة حيث كشف في سرده عن ترحيب (حكومة السلام بتحالف تأسيس ) وحركة وجيش تحرير السودان جناح عبدالواحد محمد نور بمقترحات المبادرة والموافقة علي بنودها كما أبديا إستعدادهما للتنسيق بشأنها إلا أن رفض وتعنُت سلطة الحركة الإسلامية السودانية الإرهابية (حاسا) قد حالا دون تنظيم إمتحانات مُوحدة ليدفع الثمن الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق دون أن ترِف لهم أجفان بما يمكن أن يسببه هذا الرفض وهذا التعُنت من إنقسام وجداني وصب مزيد من الزيت على نيران خطاب الكراهية والعنصرية
أزاء هذا الموقف عديم الوطنية كان لابد لحكومة السلام أن تضطلع بمسؤوليتها الوطنية والأخلاقيّة تجاه بنات وأبناء هذه المناطق حفاظاً علي حقهم وصوناً لمستقبلهم رغم التحديات الجِسام التي ستواجهها وهي تخوض وفي ظل ظروف قاسية تجربة تنظيم إمتحانات للشهادة السودانية كانت الإرادة قوية ولكن كانت القُدرة علي إنفاذ هذه الإرادة هي الأقوي لذا عَبَرت وإنتصرت علي كل العقابيل الماثلة والمُتوقعة، فالبنية التحتية والمرافق المدرسية تعاني من الضرر البليغ إن لم يكن الدمار يعيش الطلاب والطالبات ومعلميهم التشتُت الأكاديمي نتيجة إفتقار المدارس لمَرافِقها الأساسية كالفصول والمكاتب والمعامل إضافة إلي عامِلَي النزوح واللجوء وإلي جانب ذلك غياب المنهج الدراسي والمحتوى الأكاديمي عن ذاكرة الطلاب والطالبات بسبب إستمرار الحرب وإنعدام البيئة المُهيأة للتحصيل الدراسي وإذا ما أضفنا شُح الموارد المالية الخاصة بالصرف علي العمليات المُعقدة لتنظيم الإمتحانات من التخطيط لها وتحديد المواد والمواعيد وجدولتها ثم إعداد أوراقها وطباعتها وتخزينها ثم تأمينها وما يليها من تعيين المراقبين والمُصححين ومن بعدها عمليات التقييم والرصد وصولاً إلي مراحلها الختامية بإعلان النتائج كل هذه الخطوات وما بينها أيضاً خطوات لم نتطرق إليها تُبين بجلاء عظمة الإنجاز الذي حققته حكومة السلام
إنّ عَظَمة إنجاز تنظيم إمتحانات الشهادة السودانية لا يَتَبَدّي فقط في إجرائها وتنظميها حسب الوقت المحدد والمعلوم ولا في العدد الجالس لها ولا في إلقام المُرجِفين حَجَر تنظيمها وتأمينها ولكن عظمة إنجازها تَجَلت في صيرورتها من جريمة عَصْر إرتكبتها سلطة الحركة الإسلامية السودانية الإرهابية (حاسا) ومؤتمرها اللاوطني وواجهاتهما ومن والاهم إلي ملحمة وطنية وأخلاقية عبرت عنها دموع الجُموع من بناتِنا وأبنائِنا ومُعلِمينا ومُعلِماتِنا في دارفور وكردفان والنيل الأزرق

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة