الهروب من الحقيقة : نحو مشروع وطني بلسماً للجراح

الدكتور الأمين بلال

/د.الامين بلال مختار
Jone/24/2026
alaminmukhtar@hotmail.com
تمهيد: متى نواجه ذواتنا؟*
ما أحوجنا اليوم إلى لحظة صدق مع النفس، نخلع فيها ثوب المراوغة، ونواجه الحقيقة العارية بلا تجميل ولا تبرير. إن أزمة السودان ليست أزمة موارد ولا حدود فحسب، بل هي أزمة إرادة. أزمة هروب جماعي من استحقاقات معالجة جراح الوطن النازفة: مناهضة الحروب، رفض الانقلابات، نبذ العنف والتمليش والتجييش، وتجريم عسكرة السياسة. كلما اقتربنا من التشخيص الصحيح، هربنا إلى شعارات العصبية والجهوية والكراهية، فكان الهروب هو المرض، لا الدواء.
أولاً: تشخيص الداء – جذور الأزمة لا مظاهرها
إن ما يعتمل في وطننا ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تراكمي لثلاث خطايا كبرى:

خطيئة تقديس البندقية على حساب الكلمة: حين صارت السياسة تُدار بمنطق الثكنة لا البرلمان، وتحولت الدولة إلى غنيمة تُقسّم بين المتغلبين. عسكرة السياسة لم تأت بجيش قوي، بل أت بدولة ضعيفة وشعب ممزق.

خطيئة التمليش والتجييش: حين استبدلنا “الجيش الواحد المهني القومي” بجيوش موازية ومليشيات قبلية، فصارت دماء السودانيين عملة تُساوَم بها في أسواق النخاسة السياسية. ومن زرع التمليش حصد التقسيم.

خطيئة الهروب من المشروع الوطني: ظللنا نراكم الأزمات ونؤجل الحلول الجذرية، ونستبدل المشروع الوطني الجامع بمسكنات المحاصصة والترضيات. فكان المؤتمر الوطني مثالاً صارخاً على ذلك: حزب سلطة بلا فكرة، ومشروع تمكين بلا وطن. وموقفنا منه لم يكن خصومة أشخاص، بل رفضاً لمنهج اختزل الوطن في سلطة، واختزل الدين في شعارات، واختزل السياسة في القمع.
ثانياً: الدواء – كتابة المشروع الوطني وثوابته
لن يشفى هذا الوطن بمسكنات، بل بجراحة عميقة تقوم على “ثوابت وطنية” تكون بلسماً ومرهماً لجراحاتنا. وثوابتنا هي:

ثوابت السلام المستدام: لا حل إلا بوقف الحرب وقفاً نهائياً، لا هدنة تُستأنف، ولا استراحة محارب. السلام ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل هو خيار العقل والمنطق والبقاء. فالحرب لا تلد إلا حرباً، والدم لا يغسله إلا الدموع.

ثوابت العدالة الشاملة: عدالة جنائية تحاسب كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، عدالة انتقالية تجبر ضرر الضحايا، عدالة اقتصادية تعيد توزيع الثروة، وعدالة اجتماعية تعيد للمواطن كرامته. بغير العدالة، يظل السلام هشاً كقشرة البيض.

ثوابت المصالحات المجتمعية: لا يمكن بناء دولة على أنقاض مجتمع متصارع. نحتاج مصالحات تبدأ من “الندم الصادق” وتنتهي بـ”التسامح المشروط بالعدالة”. مصالحات تخرجنا من دوامة “الثأر” إلى فضاء “الشراكة”.

ثوابت العلاقات الخارجية المتوازنة: السودان ليس تابعاً لأحد، ولا ساحة صراع لمحاور. مصلحتنا تقتضي علاقات خارجية تقوم على الندية والمصلحة المتبادلة، لا الولاء الأعمى. نمد أيدينا لكل من يحترم سيادتنا، ونرفض أي وصاية إقليمية أو دولية.

ثوابت الاقتصاد المنقذ – على نسق “مارشال”: كما أنقذت خطة مارشال أوروبا من رماد الحرب العالمية، نحتاج “خطة مارشال سودانية” تقوم على: إعفاء الديون، ضخ استثمارات إنتاجية، إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإطلاق مشروع قومي للصناعة والزراعة. اقتصاد يُشغّل الشباب، لا اقتصاد يُفقر الشعب.
ثالثاً: العلاج يبدأ بالاعتراف لا الإنكار
إن استمرار الحرب وعسكرة السياسة ودعم الانقلابات، كلها أوجه لمرض واحد: الهروب من الحقيقة. الحقيقة تقول إن الوطن لن يبنى بالكراهية، ولن ينهض بالبندقية، ولن يتوحد بخطاب الجهات.
الحقيقة تقول إن حزب الأمة القومي، وغيره من القوى الوطنية، مطالب اليوم بأن يكون حارساً للمشروع الوطني لا حارساً لكراسي السلطة. وأن يكون صوته الأعلى: لا للحرب، لا للانقلاب، نعم للسلام، نعم للمدنية، نعم للوطن.
الخاتمة: الاختيار بين الوطن والفناء
أيها السودانيون، التاريخ لا ينتظر المترددين. أمامنا خياران لا ثالث لهما:
إما أن نواجه الحقيقة بشجاعة، ونكتب مشروعنا الوطني بأيدينا، ونضع الثوابت التي تجمعنا، فننهض من كبوتنا كطائر الفينيق.
وإما أن نواصل الهروب، ونجتر خطاب العصبية والجهوية، فنسقط جميعاً في هاوية الفناء، ولا يبقى من السودان إلا الاسم في كتب التاريخ.
“الوطن أمانة، والسلام فريضة، والعدالة ضرورة. فمن فرّط في واحدة، فرّط في الوطن كله.”اللهم أشهد إني قد بلغت ؛ولايصح الا الصحيح .

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة