أولاً: تزييف التاريخ لا يصنع مستقبلاً بدايةً.. التاريخ لا يُقاس بمبدأ “فلان عمل وفلان عمل”. تجارب الحكم في السودان مرت بمنعطفات كثيرة، فالخطأ لا يبرره خطأ آخر. وإذا كان خطأ أن ينقلب حزب، فالخطأ لا يُغتفر بتكراره.
المؤتمر الوطني لم يكن “حزباً أصيلاً” فقط. كان نظاماً شمولياً حكم أكثر من 30 سنة بالحديد والنار، ودمر الاقتصاد، ومزق النسيج الاجتماعي، وأنتج الميليشيات، وانتهى بثورة شعبية أسقطته. هذه ليست “إنجازات وإخفاقات”. هذه جريمة دولة.
ثانياً: خلط الأوراق بوعي
دكتور الخضر يمارس أقدم حيل التضليل: خلط الضحية بالجلاد.
حادثة 1976: كانت محاولة مواجهة نظام انقلابي منع العمل السياسي المدني، وهو نفس النهج الذي قام به نظام ما يسمى بالإنقاذ. نظام نميري العسكري أجهض محاولة 76 في وقتها. لم تحكم السودان ولم تحكم 30 سنة. لا تنسَ أن كل تاريخ السودان كان لأنظمة عسكرية: مايو وعبود، وكلها حكومات عسكرية. النسبة الأكبر في حكم السودان كانت عسكرية، والحكومات المدنية لا تتجاوز فترة حكمها مجتمعة 12 سنة من جملة 70 سنة.
الإشارة إلى وجود كتائب لأحد أحزاب السودان تكذبها الوقائع، اللهم إلا المؤتمر الوطني. كمتابعين للساحة السودانية لم نجد تسليحاً خارج الإطار النظامي إلا حصراً عليكم. أما الإشارة إلى تنظيم “حنين” فهو اسم لتنظيم لم يحكم يوماً ولم يملك دولة ولا جيشاً ولا أمناً.
المؤتمر الوطني: هو من حكم، وهو من صنع الدعم السريع، وهو من شرعن الميليشيات، وهو من أشعل الحروب في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة.
الفرق بين خطأ معارض وبين جريمة نظام حاكم هو فرق بين “حادث” وبين “منهج دولة”.
ثالثاً: من الذي يرفض السلام فعلاً؟ تتهمون “صمود” برفض السلام. طيب تعالوا نشوف الوقائع:
من الذي انقلب على الاتفاق الإطاري؟ البرهان وحلفاؤه. وقعوا ثم انسحبوا.
من الذي يرفض الآن الجلوس بلا شروط؟ كل يوم نسمع “لا تفاوض مع المتمردين” و “الحسم العسكري”. هذا هو رفض السلام بعينه.
“صمود” قالتها واضحة: نعم لوقف فوري للحرب، نعم لحوار يشخص الأزمة ويؤسس إلى حلول مقبولة، نعم لجيش واحد مهني. أين الرفض هنا؟ الرفض عند من يريد استثناء “المؤتمر الوطني” لأنه يعلم أن عودته تعني عودة الحرب.
رابعاً: وهم “التوافق” تقول “كل القوى توافقت على السلام”. أي توافق؟ التوافق كان مع العسكر الذين انقلبوا على السلطة المدنية. المشروع الذي حكم 30 سنة جربناه فماذا كانت النتيجة؟ فساد، تمكين، وحروب باسم الشعارات. المشكلة ليست في يافطة “إسلامي” أو “يساري” أو “وسط”؛ المشكلة في الاستبداد.. سواء لبس عمامة أو بدلة.
خامساً: الكرة في ملعب من؟ الكرة ليست في ملعب “صمود”. الكرة في ملعب من يملك البندقية والقرار. الكرة في ملعب من يستطيع أن يصدر أمراً واحداً: “أوقفوا إطلاق النار”.
لا تطلب من المدني أن يوقف حرباً أشعلها العسكر. لا تطلب من الضحية أن تسامح الجلاد قبل أن يتوقف عن الضرب.
الخاتمة: شهادة التاريخ يا دكتور.. التاريخ لن يرحم. ولكنه لن يرحم من كذب، ومن ضلل، ومن أشعل الحرب ثم اتهم الآخرين برفض السلام.
الشعب السوداني جرب حكم 30 سنة. وكانت النتيجة: دولتين بدل دولة، و4 حروب أهلية، واقتصاد منهار. لن نعود للوراء.
الحل ليس في تبييض وجه النظام البائد. الحل في: وقف الحرب + محاسبة المجرمين + جيش قومي + دولة مدنية ديمقراطية.
ومن يرفض هذا الطريق هو من يرفض السلام والاستقرار. ولا يصح إلا الصحيح وبس.