أعمدة ومقالات

(العوقة) و (العولاق) سيان

حمد_عثمان_جبريل .. #يكتب:

يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه : “المرء مخبوءٌ تحت لسانه، فإذا تحدث ظهر”.. تماما مثلما قال سقراط :” تحدث حتى أراك.. لكنّ بعض الدخلاء على محافل الرجال آبوا إلا أن يخلعوا برد الوقار ليرتدوا ثوب المهرجين؛ فتراهم يندفعون في الحديث بلوثة فكرية وثرثرة جوفاء، لا لشيء إلا ليكونوا “هتيفة المجالس” وأضحوكة الحاضرين..
وما إن تسمعهم إلا تبادر بنطق الشهادة واتباعها بدعاء “حبوباتنا” ياربي : (لا تبدلنا ولا تغيرنا.. ولا تعولقنا!).

والـ” العولاق” في العامية السودانية ليس توصيفاً لإنحطاط الشيء فحسب بل حالة من حالات الاشمئزاز و(الطمام) ذلك لأن هناك من التصرفاته والكلام يهبط بصاحبه إلى أحط درجات الابتذال و(العولاق) .. وحين يفقد الإنسان ميزان العقل والوقار لا تبقى من شخصيته وكرامته شيء، فيوصف حينها في العامية السودانية بـ(العوقة).

إن هؤلاء يجهلون أن المجالس موازين قسط، لا تثقل فيها إلا رصانة الفكرة، أما القعقعة بلا طحن فمكانها مسارح الهزل.. وفي مثل هذا الذي يفضح جهله بلسانه .
وحين تسمع رجلاً من الإدارة الأهلية ويدعي أنه يمثل قبيلة عظيمة ضاربة الجذور في الأرض والتاريخ و يقول:” إنه لو خُيّر بين السودان والفردوس الأعلى لاختار السودان، ثم تسمعه يهتف: (عاش البرهان.. عاش جبريل إبراهيم) ثم يبلغ به الخطاب أن يقول: (جبريل حضر وقفل).. فإن أول ما يفعله المرء أن يتشهد، لا لأن الرجل يملك ميزان الإيمان، ولكن لأن الكلام بلغ من الغرابة مبلغاً يجعلك تراجع ثباتك أنت! .. ثم ترفع يديك وتقول: اللهم عافنا ولا تبلانا ..
يا رجل!
الفردوس الأعلى الذي أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأله الله، تضعه في كفة، والسودان في الكفة الأخرى، ثم تعلن أنك اخترت السودان؟!..
أي وطنية هذه التي تحتاج إلى أن تُهان الجنة حتى تثبت حب الوطن؟..
نحب السودان حتى آخر نبضة، ونفديه بالروح والدم، ونحزن على ترابه إذا أصابه سوء، لكن حب الوطن لا يحتاج إلى أن نقايضه بالفردوس؛ فذلك ليس حباً أرفع، بل كلام خرج عن ميزان المعنى قبل أن يخرج عن ميزان الأدب..
ثم ماذا بقي من هيبة الإدارة الأهلية حين يتحول رجل يفترض أن يكون لسان الحكمة إلى لسان هتاف؟
(جبريل حضر وقفل)!..
هذه ليست لغة رجل يقف في مقام أهلي ينتظر منه الناس جمع الكلمة وإطفاء الفتنة؛ هذه لغة انحدرت من الوقار إلى عدم المسؤولية وإفراغ الكلام من رصانته والرجولة هيبتها.

والأشد إيلاماً أن السودان الذي يتحدث باسمه هذا الرجل لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الهتاف للرجال..
السودان يحتاج إلى من يقول لجبريل: “كفى جبايات.. أوقفوا انهيار الاقتصاد” ..
وإلى من يقول للبرهان اوقفوا الحرب: كفى موتا ودمارا..
وإلى من يقول للوطن: أنت أكبر من كل أسمائنا.
فالإدارة الأهلية حين تفقد ميزانها لا تخسر هيبتها وحدها؛ يخسر المجتمع واحداً من أهم أصواته.

نعم .. اللهم لا تبدلنا ولا تغيرنا.. ولا (تعولقنا).. فقد أصبحنا في زمن يحتاج فيه بعض الناس إلى أن يتذكروا أن الوقار مسؤولية، وأن الكلمة أمانة، وأن حب السودان لا يحتاج إلى أن نضعه في مواجهة الفردوس الأعلى.
إنا لله ياخ..

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة