أعمدة ومقالات

السودان وسط أزماته.. غارق في ترند طفل وسيم

أحمد عثمان جبريل يكتب

❝لسنا ضد أن يرى الناس الجمال؛ نحن ضد أن يفقدوا أخلاقهم وهم ينظرون إليه.❞

في حجة الوداع، كان الفضل بن العباس رضي الله عنهما رديف رسول الله صل الله عليه وسلم، شابّاً وضيء الوجه، وسيما حسن الهيئة، تكسوه نضارة لافتة وبهاؤه يأخذالنظر. . هناك جاءت امرأة من خثعم تسأل رسولنا الكريم صل الله عن في الفقه عن حج أبيها، وهي تتحدث كانت عينيها معلقة في الفضل تنظر إليه وينظر إليها.. لم يترك النبي الكريم الموقف ينفلت، ولم يحرج الشاب أمام الناس، ولم يقطع على المرأة سؤالها؛ إنما صرف وجه الفضل إلى الجانب الآخر، في هدوء المعلّم الذي يهذب السلوك دون أن يهين صاحبه، ويعالج الخطأ دون أن يجرح النفس.

ذلك رسول الله عليه وسلم، معلم الأمة، يضع أمامنا درساً في أدب النظر، وصيانة الكرامة، وضبط الانجذاب الإنساني.. فالجمال من إبداع الخالق، ونعمة تستوجب الحمد، والدعاء لصاحبها بالبركة والحفظ، لا رخصة تمنح الآخرين حق اقتحام خصوصية صاحبه.
(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ).. فتبارك الله أحسن الخالقين.
ذلك مشهد من مدرسة النبوة، حيث تتقدم الأخلاق على الانفعال، وتعلو المروءة على نزوات العيون..

ومن ذلك المشهد المضيء نعود إلى صورة طفل سوداني صغير، اجتاحت صفحات التواصل، بعد نشر مقطع وصورة له في إحدى الصفحات التي عُرفت بمواقفها السياسية.

(1)

ما إن انتشرت الصورة حتى انفتحت أبواب التعليقات على مصاريعها؛ فريق يتنمر على ملامح الصغير وشعره، وفريق يطلق عبارات الغزل، بعضها يتجاوز حدود اللياقة، وآخرون يستدعون القبيلة والانتماء السياسي إلى ساحة لا علاقة للطفولة بها.. وهكذا خرج طفل من عالمه البريء إلى فضاء صاخب، تتنازعه ألسنة لا تعرفه، ولا تدرك أن للكلمة مخالب، وأن الصورة قد تتحول من لحظة عابرة إلى عبء يلاحق صاحبها.. يا له من مشهد يختلط فيه الإعجاب بالعدوان، وتضيع فيه الحدود بين حرية التعليق وحرمة الإنسان!

(2)

لسنا بصدد محاكمة الجمال؛ فهو هبة الخالق، ولا مصادرة حق الناس في الإعجاب، فذلك أمر فطري، لكن شتان بين ثناء مهذب يرد الحسن إلى خالقه، وتعليق يتخذ من الطفل مادة للتنمر أو الغزل المتجاوز.. ما البطولة في السخرية من صغير لا يملك دفع الأذى؟ وأي ذوق يسمح بتحويل ملامحه إلى ساحة للتندر، أو جسده إلى مساحة لتعليقات لا تليق بطفولته؟ إن الموقف الأخلاقي لا يحتاج إلى فضيحة ولا إلى تجريح؛ يحتاج إلى بصيرة تعرف أين تقف، ولسان يعرف ما يقول، وعين تدرك أن الجمال أمانة في النظر قبل أن يكون متعة للناظرين.. ومن رأى حسناً فليقل: ما شاء الله، تبارك الله، وليدع لصاحبه بالحفظ والبركة.

(3)

أما ربط الطفل بقبيلة الماهرية، واستدعاء الدعم السريع إلى صورته، فذلك عبث آخر، أشد خطراً من التنمر ذاته.. ما ذنب الصغير في نسبه؟ وما علاقته بقرارات الكبار وحروبهم وجرائمهم؟ لا يحمل طفل وزر قبيلته، ولا يرث ذنب قائد أو جماعة، ولا يجوز أن يصبح الانتماء سكيناً مسلطة على رقاب الأبرياء.. إن رفض الدعم السريع، ومساءلة قياداته، ومحاسبة كل من ارتكب جرماً، مواقف سياسية وأخلاقية مشروعة؛ أما نقل الخصومة إلى طفل بسبب أصله، فظلم لا يخدم قضية، ولا ينتصر لوطن، بل يضيف إلى جراحه جرحاً جديداً.. فالعدالة التي تبدأ بظلم بريء تفقد معناها قبل أن تبلغ غايتها.

(4)

وأنا أتأمل الصورة المنشورة في تلك الصفحة، استدعت الذاكرة سؤال الطيب صالح الشهير: (من أين جاء هؤلاء؟).. ذلك السؤال الذي أطلقه في سياق احتجاجه على حكام الإنقاذ، وما رآه من قطيعة مع وجدان السودانيين وأصالتهم.. لقد أساء الكيزان، بممارساتهم وخطابهم، إلى صورة الشعب السوداني وموروثه الأخلاقي، وحاولوا إخضاع وطن عريق لصورة صنعوها على مقاس السلطة، فإذا بتلك الصورة تصطدم بتاريخ شعب عرف المروءة والنجدة والحياء وإكرام الصغير.. لكننا لا نستدعي سؤال الطيب صالح لمحاكمة شعب بسلوك أفراد؛ إنما لنقول إن القيم التي نعتز بها تحتاج إلى حراسة يومية، وإن ما يصدر عن بعض الناس من تنمر أو تجاوز يستحق المواجهة، دون أن نمنح أحداً حق اختزال السودانيين في إساءة عابرة.

(5)

وهنا تبلغ المفارقة ذروة وجعها: بلاد تتنفس دخان المسيرات، ومحطات كهرباء تتعرض للاستهداف، ومدن تحت القصف، ومناطق إنتاج تواجه الخطر، وعملتها تتهاوى للقاع السحيق، وأسر تنام على الخوف، وأخرى تفتش عن لقمة تسد رمقا، ومرضى يطاردون دواءً وخدمةً انقطعت؛ وفي الفضاء نفسه يتسع ضجيج الترند، ويتبارى بعض الناس في التنمر والغزل، بينما مواطنون في الداخل لا يجدون ما يفطرون عليه.. لا نطالب الناس بإغلاق أبواب الفرح، ولا نجرّم الترفيه أو متابعة ما يخفف وطأة الأيام وشظف العيش؛ لكننا نسأل:

( كيف يبتلع الهامشي كل هذا الحيز من اهتمامنا، ويظل المصيري ينتظر التفاتة؟) ..

و(كيف يعلو صخب صورة على صوت وطن يستغيث؟)..

(وأي اختلال في بوصلة الوعي يجعل ملامح طفل تتصدر المشهد، بينما الكهرباء والجوع والحرب تطرق أبواب الملايين؟)..

ليست المشكلة في أن يتصدر طفل ترنداً؛ المشكلة أن يصبح الترند ستاراً يحجب ما هو أحق بالانتباه.

(6)

ومصدر النشر الأول يستحق التوقف عنده، لا لإصدار حكم بلا بينة على النوايا، ولا للقول إن الصفحة صنعت كل ما تلا ذلك؛ فانتشار المادة مسؤولية تتعدد أطرافها.. لكن من حق الرأي العام أن يسأل عن سياق النشر، وعن الرسالة التي حملتها الصفحة، وعن الكيفية التي انتقلت بها صورة طفل إلى مادة يتنازعها التسييس والتندر والتعليقات المتجاوزة.. ففي زمن تُقاس فيه قيمة المحتوى بالمشاهدات، قد تتحول خصوصية الناس إلى وقود للتفاعل، وقد يصبح الطفل ضحية سباق لا يعرف قواعده.. فهل تدرك الصفحات والمؤثرون أن إعادة النشر قد توسع دائرة الأذى؟ وهل نملك وعياً يوقف هذا المسار قبل أن يدفع الصغار ثمن شهية الكبار إلى التفاعل؟

(7)

القضية، في جوهرها، أكبر من (ترند) وأعمق من (صورة).. إنها امتحان لضميرنا الجمعي: هل نستطيع أن نرى الجمال دون أن نؤذي صاحبه؟ وأن نختلف سياسياً دون أن نعتدي على طفل؟ وأن نتابع أخبارنا اليومية دون أن نغلق قلوبنا عن وطن يئن؟ .. الطفل لا يحتاج إلى مزيد من العيون المحدقة في صورته، بل إلى حقه في أن يكبر آمناً، بعيداً عن الاستغلال والتشهير. والسودان لا يحتاج إلى جمهور يتبارى في التعليقات، بل إلى وعي يميز بين المعركة الحقيقية والضجيج العابر، وبين نقد السلطة والاعتداء على الأبرياء.
هنا تلتقي الحكاية النبوية بواقعنا: تهذيب بلا فضيحة، وجمال تصحبه المروءة، وقوة لا تتغذى على ضعف الصغار. فالأخلاق لا تُختبر في الشعارات وحدها؛ تُختبر في أبسط المواقف، وأمام أضعف الناس.

#مطر_الحصو

إلى كل من نشر الصورة، أو أعاد تداولها، أو أطلق تعليقاً جارحاً أو متجاوزاً: تذكروا أن وراء الشاشة طفلاً، ووراء الطفل أسرة، وأن للطفولة حرمة لا تسقط بكثرة المشاهدات.. لا تجعلوا نسبه ساحة خصومة، ولا ملامحه مادة للسخرية، ولا صورته سلعة في سوق التفاعل.

ارفعوا رؤوسكم عن الشاشات؛ فثمة وطن تنطفئ أنواره، وبيوت يطاردها الجوع، وأطفال ينتظرون من الكبار أن يحموا لهم الحياة.. كفوا أذاكم عن الصغير، وأعيدوا إلى ضمائركم شيئاً من مروءة هذا الشعب؛ فالوطن الذي تضيع فيه كرامة الطفل، تضيع فيه البوصلة قبل أن تضيع الطريق.

#ومضة..

قد يلفت الجمال العيون، لكن الأخلاق وحدها تكشف ما في القلوب.. وما أجمل عيناً ترى الحسن، ولساناً يحمد الخالق ويبارك، ويداً تكف الأذى.. فالجمال عابر في الوجوه، أما المروءة فبصمة تبقى في ذاكرة الإنسان.

#توقيع_أفق_الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول:”ما أجمل أن نحفظ للإنسان جماله وكرامته معاً؛ فذلك بعض ما يبقي للأوطان وجهها، وللإنسان إنسانيته”..
إنا لله ياخ.. الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة