أعمدة ومقالات

عثمان ميرغني.. .

التفاوض على الطرف,,, لا التفاوض مع الطرف
، و«ثمن» رفض الهدنة:’!!!!!
حين تتحول الفرضيات إلى حقائق بلا دليل.
و الحل على غرار البصيرة أم حمد.!

( A )
بقلم: الصادق المقلي المقلي
تثير مواقف عثمان ميرغني بشأن الحرب في السودان ومقترحاته لإنهائها جملة من التساؤلات السياسية والمنطقية التي تستحق التوقف عندها. فبين تصوره للتفاوض مع دول الرباعية، ولا سيما الإمارات، حول مستقبل قوات الدعم السريع، وتفسيره استهداف منشآت الكهرباء باعتباره «ثمناً» لرفض الحكومة الهدنة، تتبدى مشكلة منهجية واحدة: القفز إلى نتائج مفترضة قبل استكمال شروط التفاوض، أو تقديم الأدلة التي تسند تلك التفسيرات.

أولاً: التفاوض على الطرف لا التفاوض مع الطرف

جوهر الإشكال في طرح عثمان ميرغني أنه يتحدث عن تفاوض بين الحكومة السودانية ودول الرباعية، مع التركيز على الإمارات، بشأن مستقبل قوات الدعم السريع، وكأن هذه المفاوضات يمكن أن تفضي سلفاً إلى تفكيك تلك القوات ونزع سلاحها وتسريح عناصرها وإعادة دمجهم، وإنهاء وجود أي قوة مسلحة خارج إطار القوات المسلحة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن التوصل إلى اتفاق ملزم لطرف مسلح بشأن مستقبله، من دون أن يكون طرفاً في التفاوض الذي يحدد ذلك المستقبل؟. وهل يُعقل أن يُطلب من طرف يخوض حرباً أن يفاوض على تفكيك نفسه، وأن يوافق مسبقاً على أجندة تنتهي عملياً إلى استسلامه، من دون أن يشارك في صياغة شروطها وضماناتها وترتيبات تنفيذها؟
إن هذا التصور لا يطرح تفاوضاً مع الدعم السريع، بل تفاوضاً على الدعم السريع؛ أي إن الحكومة تتفاوض مع أطراف خارجية حول مصير خصمها، ثم يُفترض أن يقبل ذلك الخصم مخرجات لم يشارك في التفاوض بشأنها. وهذا أقرب إلى فرض أجندة أحادية منه إلى عملية تفاوضية قابلة للتنفيذ.
وهذا أقرب إلى فرض أجندة أحادية منه إلى عملية تفاوضية، بل إن ذلك يمثل بدعة في فنون التفاوض؛ فالتفاوض بطبيعته يكون بين طرفين في حالة نزاع أو خلاف، يتشاركان في صياغة المخرجات والتوافق عليها، وليس مع طرف واحد ينفرد بإنتاج مخرجات ثم يسعى إلى فرضها على الطرف الآخر تحت مسمى التفاوض!! .

ويثير اختيار الإمارات طرفاً في هذا التفاوض سؤالاً أكثر جوهرية: كيف يُعهد إليها بضمان تفكيك الدعم السريع، وهي التي ظلت تنفي الاتهامات الموجهة إليها بشأن دعمه؟ بل إن قبولها مبدأ التفاوض معها حول مستقبل هذه القوات قد يُفهم باعتباره إقراراً ضمنياً بأن لها دوراً أو نفوذاً في هذا الملف، وهو ما يتعارض مع موقفها المعلن القائم على نفي التورط. فكيف يُطلب منها أن تضمن تفكيك قوة تنفي أصلاً دعمها أو صلتها بها؟ وعلى أي أساس يُفترض أن تقبل هذا الدور؟
ثم إن هذا الطرح يتجاوز، أو يكاد يتجاوز، القضية الأكثر إلحاحاً: وقف الحرب. فخارطة الطريق التي طرحتها الرباعية جعلت الهدنة مدخلاً لوقف إطلاق النار، تمهيداً للمسار السياسي. أما ميرغني فيكاد يملأ فمه بالماء كلما كان الحديث عن الهدنة، لينتقل مباشرة إلى التفاوض حول تفكيك الدعم السريع ونزع سلاحه وتسريح عناصره وإعادة دمجهم.
وهنا يبدو أنه يعيد إنتاج شروط الحكومة ومواقفها المسبقة، بدلاً من تقديم مسار تفاوضي جديد. فهل يمكن أن تكون هذه البنود أجندة تفاوضية مشتركة، أم أنها في نظر الطرف الآخر شروط استسلام مقنّعة؟ وكيف يُفترض أن يوافق طرف على التفاوض حول نهايته قبل الاتفاق على وقف الحرب، وعلى طبيعة العملية السياسية والترتيبات الأمنية التي تليها؟
ولا يعني ذلك أن تفكيك التشكيلات المسلحة أو توحيد المؤسسة العسكرية أمر غير مطروح؛ بل إن هذه قضايا أساسية في أي تسوية مستدامة. لكن مسارات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج ليست شعارات تُعلن نتائجها سلفاً، وإنما عمليات معقدة تتطلب اتفاقاً على نطاقها ومراحلها وتوقيتها وضماناتها وآليات تنفيذها والتحقق منها ومراقبتها.
ومن جهة أخرى، لا يصح اتخاذ تعثر الهدن السابقة دليلاً قاطعاً على استحالة نجاح أي هدنة لاحقة. فالإشكال لم يكن في فكرة الهدنة وحدها، وإنما في ضعف آليات الرقابة والتحقق وعدم كفاية الضمانات. وقد أشار مسعد بولس، وفق تصريحاته، إلى وجود عمل على آلية لمراقبة الهدنة ووقف إطلاق النار بالتنسيق مع الأمم المتحدة. وإذا اكتملت تفاصيل هذه الآلية ونُفذت بفاعلية، فقد تسهم في معالجة بعض أوجه القصور السابقة. ففشل تجربة إعلان المبادئ في جده.. الذى يفتقر الي آلية المراقبة.. لا يعني بالضرورة استحالة تطوير تجربة أفضل.
كما أن الاتجاهات الإقليمية والدولية المعلنة، في إطار الرباعية والتنسيق مع الأطراف الدولية الأخرى، ظلت تؤكد ضرورة التوصل إلى حل تفاوضي بمشاركة طرفي الحرب، لا التعويل على الحسم العسكري. ومن ثم، فإن تجاوز الهدنة والقفز إلى تحديد مصير أحد الطرفين عبر تفاوض يجري مع أطراف أخرى لا يبدو منسجماً مع منطق التسوية التفاوضية نفسه.

ثانياً: «ثمن» رفض الهدنة.. ماذا تقول الكلمة، وماذا تثبت؟
في سياق آخر، أثار تصريح ميرغني لقناة الحدث، الذي وصف فيه استهداف منشآت الكهرباء بأنه «ثمن» رفض الحكومة للهدنة، تساؤلات لا تقل أهمية عن تلك التي يثيرها مقترحه التفاوضي.
فكلمة «ثمن» هنا ليست مجرد مفردة عابرة. إنها تحمل دلالة سببية وسياسية؛ إذ توحي بأن استهداف المنشآت الحيوية جاء نتيجة رفض الحكومة الهدنة، أو بوصفه عقوبة مقصودة لإجبارها على تغيير موقفها. وبذلك لا يعود الحديث مجرد وصف لتزامن حدثين، بل ينتقل إلى افتراض وجود علاقة بين قرار سياسي اتخذته الحكومة وهجمات استهدفت البنية التحتية.
لكن ما الدليل على هذه العلاقة؟ ومن الذي قرر أن يكون استهداف الكهرباء هو «ثمن» رفض الهدنة؟ وهل توجد معلومات موثوقة تثبت أن الهجمات جاءت ضمن خطة للضغط على الحكومة، أم أن الأمر لا يتجاوز استنتاجاً سياسياً بُني على تزامن الأحداث؟
إن التزامن، حتى إن ثبت، لا يثبت السببية. ووقوع هجمات بعد رفض الهدنة لا يكفي وحده للقول إن الرفض هو الذي تسبب فيها، أو إن جهة خارجية قررت استخدامها أداةً للضغط السياسي.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما يربط ميرغني هذه الهجمات بمؤامرة أميركية، أو بتنسيق بين واشنطن وأطراف خارجية، غايتها تأليب الرأي العام السوداني على الحكومة ودفعها إلى قبول الهدنة. فكيف يمكن تصور أن تتجه الولايات المتحدة إلى تشجيع استهداف منشآت حيوية، تمس حياة المواطنين وخدماتهم الأساسية، بقصد إثارة غضبهم على الحكومة؟ وما الأدلة التي تسند هذا الاتهام الخطير؟ وهل ثمة معلومات أو وثائق أو نتائج تحقيقات تكشف عن مثل هذا المخطط؟
إن خطورة هذا التفسير لا تكمن فقط في غياب الدليل المعلن عليه، بل في أنه ينقل مركز الاهتمام من السؤال الأهم: من المسؤول عن استهداف منشآت الكهرباء؟ إلى رواية سياسية عن جهة خارجية يُفترض أنها تقف وراء الهجمات لتحقيق غرض تفاوضي.
وبذلك قد تؤدي هذه الرواية، بصرف النظر عن نية صاحبها، إلى إبعاد الأنظار عن تحديد الجهة التي نفذت الهجمات، وإلى إضعاف المطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها. كما قد تفضي إلى تبرئة مسبقة لأي طرف محتمل، قبل أن تقول التحقيقات كلمتها.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة